سمحَ تطورُالتقنياتِ الرقميّةِ في الحقبةِ الماضيةِ، بامتلاكِ قُدرةٍ كبيرةٍ على تبادلِ المعلومات بين أطرافٍ متعدّدةٍ بسهولةٍ وسرعةٍ وتكلفة قليلة، إذ أصبحت المعلوماتُ سلعةً وصناعةً، وبمتناول الجميعِ من أفراد ومؤسسات. وقد كانت الشبكةُ العنكبوتيّةُ (الإنترنت) الحاملَ الرئيسَ لذلك، علاوة على ظهور الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية التي أصبحت أيضاً بمتناول جميع الأفراد.

اكتملَ المشهدُ بظهورِ الأدواتِ التي تسهّلُ تبادلَ المعلومات (وسائل التواصل الاجتماعي، المدوَّنات، اليوتيوب، تويتر...)، وقد أدَّت هذه الثورةُالتكنولوجيّةُ إلى تكوين نظامٍ مفاهيميٍّ خاصٍّ بها عبر ما يمكن تسميته بـ "الرقمنة"، أو تحويل العالم إلى شاشةٍ، والتخاطب عبر تشارك الصور والفيديوهات على حساب اللغة، وتسهيل تمرير حمولاتٍ ثقافيّةٍ وإيديولوجيّةٍ بسيطةٍ ومعقّدة عبرها.أضف إلى ذلك التأثيرات القوية التي بدأت تظهر في حياتنا اليومية والمهنية، وعاداتنا وتقاليدنا ومعتقداتنا، وطرق ترفيهنا، وعلاقاتنا مع بعضنا البعض، وممارساتنا السياسية. هذا، ورغم الانخراط المتأخر للمجتمعِ السوريّ في العصرِ الرقميّ، إلا أننا بدأنا تلمّس تأثيراته الاجتماعية في أسرنا وأهلنا وأصدقائنا وعملنا وأنفسنا، ويكفي أن تقوم بحساب بسيط لعدد الساعات التي تقضيها يومياً على جهاز هاتفك الخُلويّ أو على أي شاشة أخرى مبحراً في عالم الإنترنت. كما أننا عشنا جميعاً أحد أوجه الحرب على سورية في العالم الافتراضي، حيث كانت وما زالت وسائلُ الاتصالِ الرقميّة السلاحَ الأشدّ خطورة في هذه الحربِ.

تحاول هذه الورقة تلمّس الاتجاهات الرئيسة لتأثير وسائل الاتصال الرقمية في العالم الثقافيّ ومدى استجابة المجتمع السوري لها، إذ تُظهِر آراء الخبراء والمهتمين،بما فيهم السوريون قلقاً عميقاً، نتيجةً لضياع المعايير التقليدية، والتهديد الكبير لعالم الثقافة ونشر المعارف بِحرية ودون أي نوعٍ من أنواع المراقبة.تنطلق الورقة في مقاربتها لهذا التأثير، من التوصيف الذي أطلقه مانويل كاستلز على مجتمعاتنا الحديثة بـ "المجتمع الشبكي"، وظهور ما سُمّيت بـ "الثقافة الشبكية".

كلمات مفتاحية

وسائل الاتصال الرقمية، العالم الافتراضيّ، المجتمع الشبكيّ، الثقافة الشبكيّة، ثقافة الإنترنت، التجانس الثقافيّ، التشظي الثقافيّ، الفردانيّة، دَمَقْرَطة الكفاءات، الجماعات الافتراضيّة، حكمة الجمهور.

استخدم جيمس مارتن في العام 1978 مصطلح "المجتمع السلكي" الذي قصد به المجتمعات المتصلة عبر شبكات اتصال كبرى. وفي العام 1991، ظهر مصطلحُ مجتمعِ الشبكةِ على يدِ الهولنديّ جان فان ديك في كتابه "مجتمع الشبكة"وكذلك بوساطة مانويل كاستلز في الجزء الأول من ثلاثيته "عصر المعلومات". ويقصد بالشبكة حالة الترابط البنيويّ بين نقاط متباينة تُسمّى عقداً متصلةً إجمالاً، بوساطة روابط متعددة ومتداخلة ومكررة[1]، لذلك تتألّفُ الشبكةُ من عقدٍ وروابطَ وتدفقاتٍ، فتمثيلاً لا حصراً: هناك شبكة من الأجهزة الحاسوبية التي تتصل ببعضها البعض وتتبادل معلومات فيما بينها، أو هنالك شبكة من الأصدقاء الذين يتبادلون الكلام والعواطف كدفق.

قاربَ مانويل كاستلز هذا الطرح على النحو الآتي: "ثمة نزعةٌ تاريخيّةٌ تنتظمُ بمقتضاها الوظائف والعمليات الأساسية حول الشبكات على نحو متزايد، وتكون هذه الشبكاتُ الوجهَ الاجتماعي لمجتمعاتنا، ويعمل انتشارُ منطق التشبيك على تعديل العمل وثماره تعديلاً جوهرياً في نواحي الإنتاج والتجربة والقوة والثقافة"[2].

إذ إنَّ تقنياتِ الترابطِ الفعّالة بين أجهزةِ الحاسوب والاتصالات السلكية واللاسلكية وتعدُّدَ الأجهزة وسهولة اقتنائها سمحا بتدفق كبير للمعلومات عبر شبكات متعددة، وأضحى هذا التدفق نشاطاً اجتماعياً وسياسيّاً واقتصاديّاً قائماً على أساس حسبان المعلومة سلعةً، ويوضح كاستلز أنَّ المجتمعات الشبكية هي مجتمعات توجد فيها تقانة رقمية من الاتصال وإدارة وتوزيع المعلومات على نحو شبكي. هذه المجتمعات تَعُدُّ الشبكة الشكل الأساس للتنظيمات والعلاقات الإنسانية عبر نطاق واسع من الهيئات والجمعيات الأهلية والسياسية والاقتصادية، إذ يصبح توليدُ المعرفة والمعلومات ونشرها أولويةً، كما يصبح النفاذ إلى الشبكة والسيطرة على التدفقات مصدراً أساساً للقوة والهيمنة، مقابل الضعف والخنوع. ويمكن ذكر العديد من الأمثلة على ذلك، وأبسطها أنه من المحتمل ألا تستطيع الحصول على فرصة عمل مستقبلاً ما لم تكن جزءاً من شبكة لنكد ان (LinkedIn)!!!

هذا، ووفقاً لكاستلز، فإنَّ شبكات الإنتاج والقوة في المجتمع الشبكي ستنشِئ ثقافة واقعية افتراضية من التدفقات العالمية التي تتعالى على الزمان والمكان[3]، وإن تجربة الزمان والمكان تتحول إلى "زمن لا زمني" و"مكان لا مكاني"، بمعنى: أنك تتجاوز المكان الفعليّ، ويمكن أن تكون موجوداً في كل مكان وتصلك المعلومة آنيّاً.

في مسألة الهُويّة، درست شيري توركل في كتابها "الحياة على الشاشة" المجال الاجتماعي للبيئات الإلكترونية، واستنتجت أنَّ "الحواسيب لا تغير حياتنا فحسب، بل تغير ذواتنا أيضاً"، وأضافت: "على شبكة الإنترنت، تبنى الذات وقواعد التفاعل الاجتماعي ولا تتلقى تلقياً"[4]. ويمكن القول: إنَّ الهُوية في المجتمع الشبكي أضحت قوة اجتماعية وسياسية راسخة، فأنت ما تزعم أنك عليه! ويمكن لك مراجعة ذلك مراراً وتكراراً. ويبقى السؤال الأهم: ما دور الدولة القومية في ذلك؟ وهل تراجع دورها في تحديد الهوية؟

ليست المجتمعاتُ الشبكيّةُ كلّها متماثلةً، إذ تتعدّدُ النماذج التي يمكن أن توصِّف المجتمعات الشبكية وفقاً لأنماط التفاعلات داخل المجتمع مع التقانة، أي التطور التقنيّ التي وصلت إليه هذه المجتمعات، واستجابة وتفاعل المنظومة الاجتماعية والثقافية والقيمية لهذه التقانة. ولكن المجتمعات بمختلف أشكالها وأنواعها ستخضع لهذا التغيير طالما أن إغراء التقانة لا يمكن مقاومته.

يرتبط التحديد الدقيق لصفات الثقافة الشبكية بقدرتنا على الإجابة عن الأسئلة الآتية:

وحقيقة الأمر أنَّ الإجابة الدقيقة عن هذه الأسئلة تقعُ خارج نطاق هذه الورقة، وتحتاجُ إلى جهد بحثيّ من نوع آخر. لذلك فإن الحديث عن الثقافة الشبكية (كما ورد في مقدمة هذه الورقة) سيقتصر على الاتجاهات الرئيسة لتأثير وسائل الاتصال الرقميّة في العالم الثقافيّ.

استطاعت وسائلُ الاتصالِ الرقميّةِ تغيير أنماط التواصل والاستهلاك وأساليب إنتاج المعرفة، وسهلت الحصول على المعلومة، وغيرت نمط الحياة والعمل، وزادت الاعتماد على الأجهزة الحاسوبية وشبكاتها. كما اتسمت هذه الوسائل، على عكس الأشكال التقليدية منها، بطابعٍ تفاعليٍّ يتيح للأفراد اختيار طرق تلقي المعلومات، وإبداء الرأي فيها، ما منحهم قدرة على التأثير، وجعلهم عرضة للتأثر بالدرجة نفسها. وهذا يعني تغييراً عميقاً على المستوى الثقافيّ يتمثل بما يمكن تسميتها "الثقافة الشبكية" أو "الثقافة الرقمية" أو "ثقافة الإنترنت". أضف إلى ذلك، أن الشبكات الرقمية راعت في تصميمها السماح للمستخدمين بتحقيق رغباتهم وتطلعاتهم الشخصية، وأعلت من سلطة الفرد على حساب مؤسسات الاتصال المركزية[5]. ويرى كثيرون أن هذه المسألة يمكن أن تكون "مقصودة" وليست عبثية، كما أنها توسم هذه الثقافة بصفة "السطحية".

يرى كاستلز أنَّ ثقافة الإنترنت تشكلت انطلاقاً من قيم منتجي هذه التقانة ومستخدميها الأوائل، وأهمها: حرية التواصل والتعبير، وقدرة أي فرد على التجوال في الشبكة كما يشاء. كما أشار أيضاً إلى الثقافة التجارية التي تحكم نشاطات أصحاب المشاريع التجارية. ويرى خبراء أن الثقافة الإلكترونية في المجتمعات الغربية تبنت قيم الانفتاح والحرية والتسامح على الصعيدين الاجتماعيّ والاقتصاديّ، ما أدى إلى ازدهار "الفردانية" وأنماط الحياة البديلة، هذه الثقافة غير مادية بطبيعتها، وتفضل القيم العلمانية على القضايا الأخلاقية التقليدية مثل الزواج والأسرة، وتؤمن بدور محدود للدولة في الاقتصاد والأعمال[6].

يطرح دارن بارني في كتابه "المجتمع الشبكي" نظرتين مختلفتين في المسألة الثقافية، أطروحة التجانس الثقافي، وأطروحة التشظي الثقافيّ، إذ إنَّ التقانة الرقمية طرحت مفهوم الثقافة العالمية المتجانسة حيث تجتمع الثقافات المحلية في وعاء واحد، وتتبادل التأثير والتأثر، ما يؤدي إلى محو الفروق الثقافية قومياً ومحلياً وعولمة الثقافة، ويمكن ملاحظة هذا التأثير في قدرة الثقافة الأميركية الترفيهية والاستهلاكية على اكتساح العالمين الغربيّ والشرقيّ بسهولة تامة، نظراً لضعف قدرة الحكومات المحلية على مراقبة تدفق البيانات الهائل في البيئة الشبكية والتدخل في الصناعاتِ الثقافيّةِ، ونضرب مثالاً على ذلك مسلسل (فريندزFriends) الشهير الذي زرع قيماً جديدة عند شرائح مختلفة في مجتمعاتنا، رغم تعارض أفكاره وقيمه مع قيمنا المحلية. هذا من جهة.

لكن من جهة أخرى، يجادل أنصار أطروحة التشظي الثقافيّ، بأنَّ التقانةَ الرقمية مصممةٌ بحيث تسمح بالحرية الكاملة في اختيار المواد الثقافيّة، مع مجال كبير للاختيار ولا مركزية في إنتاج المعطيات وتوزيعها، إذ تصبح الثقافة اختياراً شخصياً لا جماعياً. ويجدرُ هنا ذكرُ، أنَّ الحرية في الاختيار تخفي وراءها استراتيجيات تجارية وتسويقية وعلاقات قوة بين فواعل دولية، وما يؤكد ذلك سيطرة المؤسسات الثقافيّة والإعلاميّة الدوليّة العملاقة على المحتوى الرقمي الإلكتروني، وتقنيات "خلق الحاجات" التي تستخدمها في هذا السياق.

أَتعلمُ أن جميع المراجع التي اعتمدت عليها هذه الورقة تم تحميلها من الإنترنت!

أتعرفُ أنك تستطيع تحميل وسماع أي أغنية أو فيلم سينمائي أو مقطوعة موسيقية بسهولة؟!

هل تعلم أن بإمكانك تسجيل أغنيتك الخاصة وعرضها على جمهور واسع والاستفادة من آرائهم؟!

أتصدقُ أن بإمكانك إنشاء معرض افتراضي للوحاتك؟!

ألم تتخلَ عن الموسوعات والمعاجم الورقية؟!

أَفي إمكانك الحصول على أعلى الشهادات الأكاديمية دون مغادرة منزلك؟!

أَفي وسعك أن تصبح "فاعلاً ثقافياً"، وأن يصبح لديك جمهورك الخاص بغض النظر عن رأي المؤسسات الثقافية التقليدية بذلك؟!

إذا كانت إجابتك "نعم" عن كافة هذه الأسئلة، فأهلاً بك في العالم الشبكي!!!

ترتبط الصناعةُ الثقافيّةُ السمعيّةُ والبصريّةُ والسينما والصحافة والنشر والموسيقى ارتباطاً وثيقاً بصناعة التواصل الرقميّ، لذلك تراجع كثيراً دور من كان مهيمناً على الصناعات الثقافية التقليدية لصالح مالكي وسائل الإعلام والشبكات والفاعلين في الشبكات ومقدّمي الخدمات والمواقع كمحرك البحث غوغل والشبكات الاجتماعية كالفيسبوك (Facebook)[7].

لقد أسهم ازدهار الإنترنت ووسائل الاتصال الرقمية بوفرة العرض الثقافي، وأعطى أهمية كبيرة للنشاط الثقافي الفرديّ غير التجاريّ، وأصبح هناك استقلالية وحرية في إنتاج وقبول المنتجات الثقافية، ولكن بقيت تساؤلات عديدة عمّا تقوم به الشركات الست الكبار في هذا المضمار (أمازون وأبل وفيسبوك وغوغل وسامسونج ومايكروسوفت)!

خلقت الشبكاتُ الاجتماعيّةُ على الإنترنت، "قطيعة غير مسبوقة" مع الطرق العلائقية السابقة، وفقاً لتعبير ريمي ريفيل، حيث أحدثت تغييراً ثقافيّاً كبيراً في التعبير عن الذات والمكنونات الداخلية عبر هوية رقمية افتراضية وعلاقات جديدة، إذ يمكن أن يتقاسم الإنسان ما يكنه بداخله مع أشخاص مجهولي الهوية. هذه الثقافة التعبيرية تعطي أفضلية للتواصل على المضمون.

تسمح هذه الشبكاتُ بتقاسمِ المحتوى الرقميّ، مثل: يوتيوبYouTube (فيديو وموسيقى)، وانستغرامInstagram(صور)، وفليكرFlickr (تصوير)، ومايسبايسMyspace(موسيقى)، إذ تتيح هذه الأدوات الرقمية لزوارها تحديد محتوياتها ومشاركتها مع الجميع. تسمح هذه الشبكات من ناحية الممارسة الموسيقية للهواة بتسجيل المقطوعات الموسيقية، وبثها مباشرة عبر موقع مايسبايس، حيث ساعدت في ذلك وسائل التسجيل الزهيدة وتطور تقنيات البث المباشر المجانية. أما بالنسبة لمواقع تبادل الصور والفيديوهات، فيكفي التفكير مليّاً بشعار اليوتيوب "عبر بنفسك Broadcast Yourself". يسهم الإنترنت أيضاً بإتاحة منابر الكتابة والنشر للجميع حيث يصبح المؤلّفون ناشرين وموزعين لأنفسهم.

ابتكر مفهوم الويكي وارد كونينغهام العام 1995، وهو آلية للكتابة تتم بشكل تعاونيّ، وتسمح للمستخدمين بالولوج إلى المحتوى وتغييره وتصحيحه وتنقيحه (إنتاج تشاركي للمحتوى)، ومن أهم التطبيقات لهذا المفهوم موسوعة ويكبيديا التي تأسست العام 2001[8]. ويؤكد ريمي ريفيل أنَّ هذا النظامَ التشاركيَّ يُظهر أننا نبتعد عن شكل "الثقافة المطبوعة"، ونعتمد "حكمة الجمهور" حيث يتم تقييم النصوص على المدى البعيد. تشكل الويكيبيديا مثالاً هامّاً يساعد على فهم استجابة المجتمعات الثقافية المختلفة للأدوات الرقمية، إذ استطاعت الويكيبيديا الإنكليزية، أن تصبح مرجعاً حقيقياً علمياً وبحثياً في حين مازالت الويكيبيديا العربية مثالاً سيئاً عن التشظي والتدخل الهاوي غير المضبوط.

يتميز النصُّ الإلكتروني بسهولة التعامل معه من حيث الكتابة والقطع والحذف أثناء الإعداد، ولكنه يلغي للإنسان إمكانية الوصول المباشر إلى كتاباته، حيث يحتاج من أجل ذلك إلى جهاز تقنيٍّ ومصدرٍ للطاقة. ورغم الانتشار الكبير للكتاب الإلكتروني، إلا أن هذا الأمر لم يلغِ استخدام الكتاب الورقيّ، إذ يجادل أنصار الورقيات بأن الكتاب الإلكتروني أفقد العلاقة الحميمية بين القارئ والورق والتي تشترك فيها حواسٌ رئيسة، ويؤكد بعض الخبراء أن نسبة مبيعات الكتاب الإلكتروني تراجعت على حساب مبيعات الكتاب الورقي في السنوات الست الماضية.

يثير موضوع القراءة الإلكترونية تساؤلات كثيرة حول ظهور أنماط جديدة في القراءة مترافقة مع تقنيات عرض متنوعة على الشاشات، إذ أصبحت القراءة سريعة وتفاعلية ومختصرة ومتسرعة وسطحية ومشتتة، وتحتاج إلى مهارات تكنولوجيّة، وتتميز بتدفق مستمر للرسائل التي تعرض على الشاشة[9].

نلاحظ أنَّ جيلَ الإنترنت ومواقع التواصل لم يعد يولي أهمية للقراءة الفردانية لمؤلف في لحظة محددة؛ بل يمارس القراءة المتعددة الأشكال في إطار طرق المصادقة الأكثر تنوعاً. والكتاب المطبوع أصبح يشكل طريقة من عدة طرق للقراءة[10]. إذ يمكن لأحدهم أن يكون من قرّاء ومعجبي شاعر مشهور دون أن يقرأ دواوينه كاملةً عن طريق قراءة مقتطفات من شعره هنا وهناك على الشبكة العنكبوتية. يتّهم كثيرون الثقافة الإلكترونية بأنها كانت سبباً لتراجع الثقافة المطبوعة، وربما كان الأمر كذلك، ولكنها ليست السبب الوحيد. هنا يبرز تساؤل هامّ، هل نحن أساساً نعيش في مجتمع يقرأ ويكتب كثيراً؟ ولمحاولة تلمس الإجابة،نشير إلى أن وزارة الثقافة في فرنسا أجرت مجموعة من الأبحاث الدورية بين عامي 1973-2008 أكدت نتائجها تخلخل الثقافة المطبوعة قبل انتشار التقنيات الرقمية[11].

أما بالنسبة للناشرين، فتُتِيحُ التكنولوجيا الرقمية فرصاً هائلة لتطوير أعمالهم، حيث يمكنهم تسويق العناوين عبر المواقع التفاعلية، واستطلاع آراء القراء، وإضافة مواد تكميلية على منشوراتهم، مثل: إجراء حوار مصوّر مع الكاتب، أو إضافة معلومات مساعدة.

تلتزم المنظومة الثقافيّةُ التقليديّةُ بمعايير تقييم الخبراء في الإنتاج الثقافيّ، حيث يفترض أن تخضع المواد الثقافية لهذا التقييم قبل نشرها كالصحف والجرائد ومؤسسات الإنتاج الموسيقي والسينمائي وغيرها. ويمكن لهذه القواعد أن تتخلخل أحياناً بفعل التمويل، إذ يمكن لأي كان طباعة الكتاب الذي يشاء دون عرضه على أي خبير طالما أن التمويل موجود، ويمكن أحياناً أن تساعد الجهات الرقابية الحكومية في ضبط عملية الإنتاج الثقافي ومراقبة محتواها. غير أنَّ الفيضَ الكبير للمحتوى الرقميّ وسهولةَ انتشارِهِ غيّرا القواعد التقليدية لهذا الإنتاج، ما أدى لظهور إنتاجات ثقافية جديدة باستخدام الأدوات التي ذكرناها سابقاً سمتها الأساسية قدرة الهواة على المشاركة الفعالة بأقل التكاليف.

تجلت هذه المشاركة وفق باتريك فليشي، بالاعتراف بالفردانيّةِ المعاصرةِ، والتعلمِ الذاتيِّ الذي لا يتطلب شهاداتٍ، والفضولِ والشغفِ اللذين يقودان الشخص العادي لإبراز ما يعتقد أنه موهبة لديه. ووفقاً لتعبير فليشي "دمقرطة الكفاءات"، فإن المجتمع يعتقد أن الكفاءة موجودة عند الجميع، وأن بإمكان الجميع تنفيذ عمل مشترك من خلال الأجهزة التعاونية[12].

أضف إلى ذلك، ما يمكن أن يسهم به الهواة في إبداء الآراء حول بعض الأعمال الموسيقية والفنية ومشاركتهم بالويكي، إذ يصبح الفنان في هذا العالم الجديد مدفوعاً بالحاجة إلى ربط علاقات متينة مع جمهوره، بوساطة المواقع الإلكترونية. ويُعَدُّ فيلم "سيد الخواتم" مثالاً على ذلك، حيث قامت الشركة المنتجة بالسماح لمتصفحي الإنترنت بإبداء الملاحظات والتعديلات على السيناريو قبل إنتاجه.

تبدو محاولة التصدّي لتوصيف تأثير وسائل الاتصال الرقميّ في المجتمع السوري ومدى استجابته للنموذج الشبكي محفوفةً بالمخاطر لسببين رئيسين:

ولكننا سنحاول إيراد مجموعة من الملاحظات بهذا الخصوص:

تتطور وسائل التواصل الرقمي الجديدة على نحوٍ سريع للغاية، وتجتاح حياتنا المعتادة بعنف ملحوظ، ويبدو أنَّ تقييمَ تأثيرها في العالم الثقافيّ صعبٌ، إذ إنَّ تطور هذه التكنولوجيا أسرع بكثير من استجاباتنا لتوصيفها، ففي كل مرحلة زمنية قصيرة تظهر أداة رقمية جديدة، وتأثيرٌ جديد لم يكن موجوداً قبلها، إنه بالفعل "عصر السرعة"!

هذا، ومن الواضح أن شرخاً كبيراً قد حصل بين المبدعين والمستهلكين نتيجةً لثقافة تعاونية تشجع عمل الهواة، ولا تعطي قيمة للمِلْكيّة، وتسهل الوصول إلى المحتوى الثقافيّ، وتسمح بتفاعل مباشر كبير بين الخبراء والهواة. ولكنها تنمّط الأذواق وتشجع على التقليد الأعمى وتتسم بالسطحية.

إنَّ "التكنولوجيات الرقمية بعامّة، وفي الميدان الثقافي بخاصّة، ليست سوى انعكاس للاستعمال الذي يقوم به المرء، ولا يمكن أن تحلل بمعزل عن الفاعلين الذين يملكونها. ومن المؤكد أنها لم تضع حداً لعدم المساواة فيما يتعلق بالاستعمال، ولم تخف سوء التفاهم بين البشر، ولم تقلص بتاتاً النزاعات"[15].

وأخيراً وليس آخراً، يمكن القول: إنَّ التكنولوجيا الرقمية غيرت فهمنا للعالم، ولكنها للأسف شكلت أداةً للتحرر والسيطرة في الوقت نفسه، إذ إنَّ فعل السيطرة متضمن في طريقة تصميمها. وبما أنها أصبحت أمراً واقعاً، فَحَرِيُّ بنا العمل على استثمار جوانبها الإيجابية وتحييد السلبية منها ما أمكن، بما يخدم ثقافتنا ومصالحنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

[1] دارن بارني، المجتمع الشبكي، ترجمة: أنور الجمعاوي (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، 2015)، ص 12.

[2]M.Castells,The rise of the network society(Oxford: Blackwell, 1996), P. 469.

[3] M. Castells, End of Millennium (United Kingdom: Blackwell, 1998), P.370.

[4] Sherry Turkle, Life on the Screen (New York: simon& Schuster, 1997), P.p 10, 236.

[5]دارن بارني، المجتمع الشبكي، مرجع سابق، ص 86.

[6] المرجع السابق، ص 211.

[7]ريمي ريفيل، الثورة الرقمية، ثورة ثقافية؟، ترجمة: سعيد بلمبخوت (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، ط 1، 2018)، ص 40.

[8]المرجع السابق، ص87.

[9] المرجع السابق، ص 113.

[10]المرجع السابق، ص 118.

[11] المرجع السابق، ص 118.

[12] المرجع السابق، ص 91.

[13] M. Castells, The power of identity (Oxford: Blackwell 1997), P 2.

[14] تم طرح هذا المشروع في مؤتمر الهوية الوطنية الذي عقده مركز دمشق للأبحاث والدراسات في بداية العام 2018، عمار خيربك، راجع:https://goo.gl/WcGXmr

[15]ريمي ريفيل، الثورة الرقمية، ثورة ثقافية؟، مرجع سابق، ص 180.

هامس عدنان زريق

مركز دمشق للأبحاث والدراسات

مِداد