حماية حقوق الموقوفين حمايةٌ للسلطة والدولة

من أخطر القضايا القانونية التي تواجه السلطات السورية اليوم هي قضية التوقيف والاحتجاز خارج الضمانات القانونية الأساسية، ولا سيما في ظل الحديث عن وجود أعداد كبيرة من الموقوفين الذين لا تتوافر معلومات واضحة عن أماكن احتجازهم أو أوضاعهم القانونية، مع ورود شكاوى عن حرمان بعضهم من زيارة ذويهم أو التواصل مع محامين للدفاع عنهم. 

إن خطورة هذه القضية لا تقتصر على الانتهاكات المحتملة التي يتعرض لها الموقوفون، بل تمتد إلى طبيعة الدولة التي يجري العمل على بنائها، وإلى مدى قدرة السلطة الجديدة على القطيعة الفعلية مع ممارسات النظام السابق.

فالسوريون الذين عاشوا عقوداً تحت سلطة أمنية جعلت الاعتقال أداة للترهيب والإخضاع والتعذيب، ودفعوا أثماناً باهظة نتيجة الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري وغياب المحاسبة، كانوا ينتظرون أن يشكل سقوط نظام الأسد الإجرامي بداية مرحلة جديدة تُحترم فيها الحرية الشخصية، ويخضع فيها الجميع للقانون، وتُصان فيها كرامة الإنسان بصرف النظر عن موقفه السياسي أو انتمائه أو الشبهات المحيطة به. 

ومن هنا، فإن أي ممارسات تعيد إلى الأذهان تلك المرحلة تستدعي وقفة جدية، لا بدافع المقارنة السياسية وحدها، بل دفاعاً عن المبادئ التي يفترض أن تقوم عليها سوريا الجديدة.

إن أول ما يجب أن يميز الدولة السورية الجديدة عن دولة الاستبداد هو خضوع السلطة نفسها للقانون. فالقانون ليس أداة لضبط سلوك المواطنين وحدهم، ولا وسيلة تمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات مفتوحة باسم حماية الأمن والاستقرار، بل هو الإطار الذي يحدد صلاحيات السلطات ويمنع تعسفها، ويضمن للأفراد حقوقهم في مواجهة أي إجراء تتخذه الدولة بحقهم. 

فالحرية الشخصية ليست منحة تقدمها السلطة متى شاءت، بل حق أساسي لا يجوز المساس به إلا وفق القانون، وبضمانات تحول دون التعسف. ويبدأ احترام هذا الحق منذ اللحظة الأولى للتوقيف، من خلال إبلاغ الشخص بأسباب احتجازه، وتمكينه من الاستعانة بمحامٍ، وضمان عرضه على جهة قضائية مستقلة ضمن المهل القانونية، وإتاحة الطعن في قانونية احتجازه. 

ويكتسب حق الدفاع أهمية خاصة في مرحلة التحقيق، لأن المحامي ليس مجرد ممثل للموقوف أمام المحكمة، بل ضمانة أساسية لسلامة الإجراءات ومنع الإكراه والتجاوزات، والتأكد من احترام حقوق المحتجز. فكيف يمكن التحقق من قانونية التحقيقات وسلامة الاعترافات إذا كان الموقوف محروماً من الاستعانة بمحامٍ؟ وكيف يمكن الحديث عن محاكمة عادلة إذا بدأت الإجراءات بحرمان المتهم من الوسائل التي تمكنه من الدفاع عن نفسه؟

ولا تقل أهمية عن ذلك ضرورة تمكين الأسر من معرفة أماكن احتجاز أبنائها وأسباب توقيفهم والجهة المسؤولة عن احتجازهم، والسماح لهم بالتواصل معهم وفق الضوابط القانونية. فترك العائلات في مواجهة المجهول، من دون معلومات رسمية أو وسيلة للاطمئنان على ذويها، يضاعف المعاناة الإنسانية ويقوض الثقة بالمؤسسات. وقد تثير حالات منع المعلومات عن مكان الاحتجاز مخاوف جدية من الإخفاء القسري. وهو ما يستوجب الكشف عن مصير الأشخاص والتحقيق في أي ادعاءات تتعلق بإخفائهم أو إساءة معاملتهم.

لا يمكن إنكار حق الدولة باتخاذ بعض الإجراءات الأمنية لحماية المجتمع وملاحقة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات ومحاسبتهم، لكن هذا الحق لا يمنحها تفويضاً بتجاوز القانون، بل يفرض عليها الالتزام به. فالمساءلة القانونية تعني جمع الأدلة، وتحديد المسؤوليات، وإحالة المشتبه بهم إلى القضاء المختص، وتمكينهم من الدفاع عن أنفسهم.

لقد عانى السوريون في عهد النظام السابق من تغول الأجهزة الأمنية على حقوق الأفراد، ومن المؤلم أن تظهر اليوم مخاوف من ممارسات تعيد إلى الأذهان تلك التجربة. فليس من المقبول أن تتحول التضحيات التي قدمها السوريون إلى مجرد تغيير في أسماء المسؤولين، بينما تبقى آليات التعامل مع الإنسان والحرية والعدالة على حالها.

ولا يعني ذلك المطالبة بإطلاق سراح كل الموقوفين بصرف النظر عن الأفعال المنسوبة إليهم، ولا التشكيك المسبق في كل إجراء تتخذه السلطات. المطلوب هو التمييز بين التوقيف القانوني والاحتجاز التعسفي، وبين المحاسبة القضائية والعقاب خارج القانون. فمن تثبت مسؤوليته عن جريمة يجب أن يُحاسب أمام قضاء مستقل وفق محاكمة عادلة، ومن لا يوجد أساس قانوني لاستمرار احتجازه يجب الإفراج عنه. أما إبقاء الأشخاص في الاحتجاز من دون ضمانات واضحة، فلا يحقق العدالة ولا يحمي المجتمع، بل يفتح الباب أمام أخطاء وانتهاكات جديدة.

إن الشفافية في هذا الملف ضرورة قانونية ومؤسسية. ويتطلب ذلك الكشف عن أعداد الموقوفين وأماكن احتجازهم وأوضاعهم القانونية، وتمكين ذويهم من التواصل معهم، وضمان حقهم في توكيل المحامين، وإخضاع أماكن الاحتجاز لرقابة قضائية فعالة، والتحقيق المستقل في الشكاوى المتعلقة بالتعذيب أو سوء المعاملة أو الاحتجاز غير القانوني.

إن بناء الدولة لا يبدأ بالشعارات ولا يتوقف عند تغيير مؤسسات النظام السابق، بل يبدأ حين يشعر المواطن بأن حقوقه مصونة في مواجهة السلطة، حتى عندما يكون متهماً بارتكاب أخطر الجرائم. فالدولة التي تريد اكتساب شرعية قائمة على القانون لا يجوز أن تطالب الناس بالثقة بها من دون أن تقدم الضمانات التي تجعل هذه الثقة مستحقة.

الثورة على نظام الاستبداد والإجرام لا تكتمل بتغيير الحاكم، بل بتفكيك آليات الاستبداد وإخضاع السلطة للقانون. وإذا كان السوريون قد طالبوا طوال عقود بأن يكون الاعتقال خاضعاً للقانون، وأن يعرف الأهالي مصير أبنائهم، وأن يتمكن الموقوفون من الدفاع عن أنفسهم، فإن هذه المطالب لا تفقد مشروعيتها بتغير السلطة. بل تصبح اليوم اختباراً حقيقياً لمدى جدية الانتقال إلى دولة تحترم الإنسان وحقوقه، وتقطع مع ماضي الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري.

أعلن في شمرا