السياسات الثقافية في سورية:كيفيات تكوين وتحصين الإنسان معرفياً وثقافياً

تفترضُ هذه الورقة أنَّ البعدَ الكاشف للأزمات والحروب قد يكون عاملاً مساعداً في عملية التشخيص والنقد والمراجعة التي تغدو ضرورية وغير قابلة للتأجيل، إذ إنَّ المشكلات والظواهر الاجتماعية والثقافية تترك تأثيراتٍ مديدةً في قضايا التماسك الاجتماعي والهوية الوطنية والمكونات الثقافية الأكثر تأثُّراً بالحرب، مثل: ثقافة المواطنة، وثقافة العمل، وثقافة العيش المشترك والمشاركة.
هذا، وتتعايش وتتصارعُ في هذه الأنساق الثقافية الفرعيّة أنماط من الممارسات الثقافية التي تنتج النزوع الانقساميّ والانفصاليّ والتذرريّ، أو تنتج في الوقت ذاته النزوع الذي يقوي التماسك الاجتماعيّ، ويجعل من التنوع والاختلاف أقانيم لإنتاج ما هو مشترك ووجوديّ يجمع السوريين، رغم تنوعهم الإثنيّ واللغويّ والدينيّ والمناطقيّ، ويتجاوز الولاءات التقليدية الضيقة نحو ولاء وطنيّ مشترك يعترف بالتنوع ولا يتبعثر في تفاصيله، ويحتفي بالجمعيّ والمشترك دون إلغاء الخصوصيات.
والسؤال: أي سياسات ثقافية نحتاجها لإعادة تكوين وعي الإنسان السوريّ، ولتحصينه معرفياً وثقافياً، وما موقع الثقافة في هذه العملية؟ ألم تبرهن الثقافة بمعناها الأنثروبولوجي الموسَّع أنها لم تعد متغيراً تابعاً للمتغيرات السياسية والاقتصادية، ولا مجرد انعكاس للبنية التحتية رغم ارتباطها الوثيق بها، إنما هي مكوّن أصيل من مكونات البنية الاجتماعية، وهي أكثر من انعكاس لمستوى تطور هذه البنية، وأكثر من ذلك، ليست الثقافة ترفاً فكرياً وحاجة فائضة، إنها القدرة على تلبية احتياجات الناس الروحية والجمالية والحياتية بأفضل الأساليب، وهي بهذا المعنى تدلل على نوعية الحياة ومستوى الرفاه الإنساني المرتبط بأفق التوقع وبمستوى تطور المجتمع في آنٍ.
 

أعلن في شمرا