مراحل نجومية أحمد عدوية تتواصل حتى بعد ما يقارب عامين على رحيله، فكانت أعماله بطلاً متكرراً في مسلسلات رمضان 2026، إضافة إلى مشاريع أخرى تحتفي بتاريخه الغنائي، بعدما عاش عقوداً محروماً من الاعتراف بحضوره الفني في المؤسسات الرسمية
الدراما في مسيرة المطرب المصري أحمد عدوية تكتمل حتى بعد الرحيل، ففي مفارقة فنية شهد موسم رمضان الماضي على سبيل المثال حضوراً لافتاً لأغنياته في كثير من المسلسلات من دون اتفاق، وكأن هناك أكثر من جهة أدركت للتو أنه يوجد إرث فني يسيطر على وجدان الجماهير لم يستغل جيداً، كذلك حينما كان على قيد الحياة ومنذ انطلاقته خلال سبعينيات القرن الماضي، واجه اتهامات بالتسبب في تدهور الذوق العام، بسبب كلمات أغنياته غير المألوفة، وفي الوقت نفسه كان هناك اعتراف بسطوته على الأسماع وإشادات بقدراته الصوتية من نجوم يمتلكون ناصية الطرب والموسيقى مثل موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب والعندليب عبدالحليم حافظ.
المسيرة المضطربة التي شهدت تألقاً وسطوعاً وأيضاً ارتباكاً في التلقي من قبل مشاهير الوسط، ثم احتفاءً سينمائياً متواصلاً لم يستغله عدوية جيداً، واصلت غرابتها باختفاء اضطراري تجاوز 10 أعوام بسبب حادثة خلال تسعينيات القرن الماضي يكتنفها الغموض، كادت تقضي على حياة صاحب "زحمة يا دنيا زحمة"، لكنه عاد يصدح ثانية حتى لو بصحة معتلة وبصوت تغيرت بعض سماته من دون أن يفقد بريقه.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تلك العودة تخللتها نجاحات لافتة، ترجمت حينها في محاولات عدة لوضع إطار يحمل طابعاً مغلفاً بالاحتفاء بالماضي والتركيز على الحنين إلى حقبة "عدوية"، من خلال "ديوهات" عدة ومزيد من اللفتات للاعتراف بقيمة فنان كثيراً ما طاردته الإشاعات، بينما كانت أعماله تعرف طريقها جيداً إلى المستمع من دون إلحاح، فيما التكريم المتواصل من خلال لفتات درامية وإعلانية عدة أخيراً وبعد عامين من وفاته التي جاءت أواخر ديسمبر (كانون الثاني) عام 2024، أشبه بمحاولات للتكريم المتأخر التي تشبه الاعتذار أو التعويض عن السقوط سهواً، وعدم حصوله على التقدير المستحق في زمنه.
في عصر يتلاشى فيه الغناء الشعبي بمفهومه الكلاسيكي، وتصبح أغنيات المهرجانات و"الراب" هي المعبر عن روح التمرد الفني لدى الأجيال الجديدة، يعود إنتاج أحمد عدوية (1945 – 2024) للظهور على الساحة بقوة، بعدما ظلّ عقوداً ينظر إليه محبو الفن الكلاسيكي نظرة فوقية تحمل تعالياً على ما يقدمه، وكأن الغناء الشعبي لا يمكن أن يقارن أبداً بالأغنيات الطربية التقليدية، وعلى رغم الفرص الكبيرة التي أتيحت لأحمد عدوية على الساحة سواء في مجال إنتاج الكاسيت أو حتى في الأفلام السينمائية التجارية، فإن الاعتراف بقيمته كصوت ولون غنائي وشخصية لها اختياراتها الخاصة الجريئة فنياً كان متأرجحاً.
لكن أحمد عدوية أصبح يلقب بـ"ملك الأغنية الشعبية"، ثم توّجت أغنياته كبطل في موسم رمضان 2026 من خلال توجيه التحية إليه عبر أكثر من طريقة، إذ قال أحمد العوضي على لسان شخصيته في مسلسل "علي كلاي" "أنا ودني ما بتجيش غير مع عدوية"، حينما كان يتحدث البطل عن ذوقه الموسيقي المرتبط بالأغنيات القديمة نسبياً، وأيضاً ظهر أحمد بحر الشهير بـ"كزبرة"، وهو يغني ويرقص في أولى حلقات مسلسله "بيبو" على وقع أغنية أحمد عدوية "عيلة تايهة يا ولاد الحلال"، أو بحسب اسمها الشعبي "الحلوة خوخة".
أما حلقات المسلسل الكوميدي "هي كيميا"، فتضمنت إشارات شتى إلى أعمال أحمد عدوية، وساعد في ذلك بطله محمد دياب الذي هو مطرب شعبي بالأساس فغنى له "والله ولعب الهوى"، كذلك ردد البطل الثاني في العمل مصطفى غريب الأغنية أكثر من مرة خلال الأحداث، وقدمت الفنانة فرح يوسف دندنة لأغنية عدوية الشهيرة "إحنا معلمين".
وفي حين كان مسلسل "هي كيميا" سبباً في أن يصبح عدوية حديث "تيك توك" خلال الأسابيع الماضية بعدما بات مطلع أغنية "والله ولعب الهوى" المعروف بـ "هوم تيكا تيكا هوم" رائجاً بشدة عبر المنصة المفضلة لدى قطاعات كبيرة من الشباب والمراهقين، فإنه كان سبباً في غضب أسرة ملحن الأغنية الموسيقار الراحل حسن أبو السعود، تحديداً ابنته رنا التي خرجت بتوضيح شديد اللهجة تدعو فيه إلى تحري الدقة، مشيرة بصورة قاطعة إلى أن الأغنية بالطبع للفنان أحمد عدوية، لكن المدخل القصير جرى تسجيله بصوت أبيها ملحن العمل، والنتيجة أن اسم عدوية يحضر على نحو أقوى مما كان بصورة ملحوظة.
وهكذا تصدر أحمد عدوية "الترند" أكثر من مرة بعدما عاد للساحة الفنية من بابها الرمضاني الأوسع، إذ لم يتوقف الأمر هنا فقط إنما كانت أغنيته "زحمة يا دنيا زحمة" واحدة من أكثر أعماله شهرة وشعبية وانتشاراً وتعبيراً عن الواقع الضاغط على المواطن البسيط، أعيد تقديمها مع رؤية بصرية مبهجة خلال فواصل فوانيس الرمضانية، فيما العام الماضي كان عدوية حاضراً أيضاً بأغنية "جوز ولا فرد" ضمن مسلسل "الغاوي" الذي قام ببطولته أحمد مكي، إذ لم يكُن قد مر على وفاة مطرب الغناء الشعبي وقتها سوى أشهر قليلة، ففضل صناع العمل تذكره على طريقتهم.
كذلك يجري التحضير حالياً لوثائقي عن مسيرته بعنوان "سلطان أهل الهوى" يسرد قصة صعوده في شارع محمد علي وحتى مرحلة الاحتراف والتوهج مروراً بالكبوات والمآسي، فالنظرة تغيرت تماماً لأحمد عدوية وباتت هناك رغبة في أرشفة وتأريخ تجربته في ما يشبه محاولة لرد الاعتبار بعد عقود كان حضوره الرسمي خلالها مشوشاً.
لكن على رغم ذلك لا يرى الأستاذ في المعهد العالي للفنون الشعبية الدكتور محمد شبانة أبداً أن عدوية كان غائباً عن المشهد الفني على نحو كبير كما يتصور بعضهم، لافتاً إلى أنه لم يظلم أبداً بل أخذ حقه كما يليق به طوال مسيرته، سواء في ما يتعلق بإنتاجات الكاسيت "الألبومات" أو عدد الحفلات المهولة التي أحياها، وأضاف أن السينما احتضنته بتجارب كثيرة، لكنه لم ينجح في أن يطورها لأنه موهوب في الغناء لا التمثيل.
وعن أن أحمد عدوية بالنسبة إلى كثرٍ الآن هو أب من آباء الأغنية الشعبية الحديثة، إن جاز التعبير، بل تعتبر أعماله من كلاسيكيات الأغنية الشعبية مقارنة بنوعية أغنيات هذا العصر، يرفض شبانة تماماً أن يصف عدوية بالفنان الشعبي مفضلاً تعبير "جماهيري"، مشيراً إلى أن أحمد عدوية فنان يتماهى مع الجماهير واقترب من الوجدان والذوق الشعبي ضارباً المثل بأغنيته "سلامتها أم حسن" التي كانت تُعد حينها لوناً جديداً وجريئاً ومختلفاً، إذ يغوص المغني في طريقة مداواة الحسد لدى النساء وفقاً لثقافة عموم الناس، وأوضح أنه ابن المدينة بينما الفن الشعبي في رأيه له رواد آخرون وشروط أخرى، ومن بين نجومه في رأي شبانة محمد طه وأنور العسكري والريس حفني أحمد حسن الذين يؤدون أغنيات من واقع مجتمعهم وخرجت من قلوب وأفواه الناس، من دون أن يعرف مؤلفها وملحنها بصورة احترافية، بينما تجربة عدوية كانت احترافية، فلديه فريق كامل لصناعة الأغنية، مشيداً بتجربته واستحقاق إلقاء الضوء عليها.
المتخصصة في دراسة وتوثيق الموسيقى العربية التي تشغل حالياً مديرة عام التخطيط الموسيقي والغنائي بالإذاعة المصرية الدكتورة إيناس جلال الدين تتفق في شق من حديثها مع رأي الدكتور محمد شبانة، مشيرة إلى أن أحمد عدوية لم يكُن منبوذاً على النحو الذي يتصوره بعضهم، بدليل أنه كان يقال إن عبدالحليم كان يستمع إليه وكذلك عبدالوهاب، كذلك تعاون مع الملحن هاني شنودة والمعروف بحبه للجديد والمخاطرة مع المختلف، ولاحقاً تعاون معه بليغ حمدي، إلا أنها أيضاً تحاول أن تضع الأمور في سياقها، إذ إن كلمات أغنيات عدوية في ذلك الوقت كانت شديدة الغرابة بمقاييس ذلك العصر. وتضيف أن "ما يحسب له أنه شديد المثابرة على تقديم لون غنائي كان يراه كثرٌ حينها غير مرغوب، فمن غيره كان يمكنه أن يؤدي أغنية مطلعها يقول ’الساعة إلا تلت وميعادي معاه 8‘، فقد كانت كلمات غريبة تماماً على الذائقة المصرية".
وتصفه جلال الدين بالصوت المصري العظيم الذي له خصائص متفردة، منوهة إلى أنه كان ابن بلد خفيف الدم، كذلك أشارت إلى أن ظهور ابنه المطرب محمد عدوية على الساحة قبل أعوام أسهم في مزيد من الحضور للأب عن طريق أعمال مشتركة عدة، سواء أغنيات أو مواد إعلانية، وتضيف أن الـ"سوشيال ميديا" أيضاً أسهمت في التفات الأجيال الجديدة إليه.
ويلخص الباحث الأميركي أندرو سايمون، صاحب كتاب "إعلام الجماهير: ثقافة الكاسيت في مصر"، التناقض بين حضور أحمد عدوية في الوجدان الشعبي واهتمام الإعلام الرسمي به، لافتاً في مقالته التي كتبها يفند فيها تجربته والتي اختار لها مدخلاً يمثل مفارقة بارزة، وهي أن وفاة عدوية جاءت في نفس يوم وفاة الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر الـ29 من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، إذ قال إنه تأثر وحزن بشدة لوفاة نجم الأغنية المصرية مقارنة بالرئيس الأميركي. ويغوص أندرو سايمون في سرد وقائع إقصاء عدوية من المشهد الرسمي، مشيراً إلى أنه على رغم الشهرة الجارفة التي حققها منذ ظهوره الأول، فإن الإذاعة المصرية رفضته ومنعت أغنياته إذ كان بثها محجوزاً لمطربي الصفوف الأولى كما يسمونهم، والأمر نفسه في التلفزيون، واعتبره سايمون ابن ثورة الكاسيت الذي أسس لوناً غنائياً بسيطاً وجريئاً، مستغلاً طاقته الصوتية المتوهجة والمبهجة.
الحقيقة أن الرفض لم يكُن كاملاً بدليل أن ألبومه الأكثر إثارة للجدل "السح الدح إمبو" ظهر إلى النور بمساعدة من الشاعر الكبير مأمون الشناوي الذي تعاون مع عمالقة الطرب، لكنه مع ذلك ظل بعيداً من الحفلات الكبيرة التي ينظمها التلفزيون المصري، وفي المقابل كان نجم حفلات الزفاف والملاهي الليلية إضافة إلى الألبومات الموسيقية التي تحقق نجاحاً ساحقاً، ولم ينتزع اعتراف المؤسسات الفنية الرسمية إلا بعد أعوام طويلة، فلم يكُن إقصاؤه نابعاً من القلق من النجومية أو أنه يهدد عرش الكبار، لكن لأن ألفاظ أغنياته عُدت صدامية ولم يكُن من السهل اعتمادها في ذلك الوقت، فهو صاحب "كركشنجي دبح كبشه" و"حبة فوق وحبة تحت" و"عم يا صاحب الجمال" و"كله على كله" و"مابلاش اللون ده معانا" و"بنج بنج" و"سيب وأنا سيب" و"يا ليل يا باشا". وفي ما بعد جرى تشذيب أغنياته بأعمال لصلاح جاهين وسمير الطائر وبليغ حمدي والأخير قدم له "القمر مسافر".
واللافت أيضاً أن عدداً من نجوم الغناء في العالم العربي من الأجيال التالية، بدأوا مشوار شهرتهم بإعادة تقديم أغنيات أحمد عدوية مثل جورج وسوف وراغب علامة الذي اشتهر بأداء "يا بنت السلطان"، وقدم معه رامي عياش ديو "الناس الرايقة" الشهير.
وتفسر إيناس جلال الدين حال الحنين أو إعادة الاكتشاف لأعمال أحمد عدوية، مقارنة بأعوام ظهوره الأولى، لافتة إلى أنه بات أيقونة هذه الأيام، لكن إبان انطلاقته لم تكُن تجربته تبلورت على هدا النحو أبداً، ضاربة المثل بما يحدث حالياً في تلقي أغنيات المهرجانات المرفوضة من فئات كثيرة، وشددت على أن إصرار عدوية على تقديم هذا النوع من الفن مختلف جداً وفقاً لعصره مما جعله يقود تياراً فنياً، ويقدم ما يشبه الطفرة في عالم الأغنية الشعبية، وترى أن ترديد اسمه وأغنياته في الأعمال المعاصرة، ولا سيما في الدراما، يشير إلى أن صناع تلك الأعمال يرغبون في التعبير عن التاريخ الفني للبيئة الشعبية المصرية من خلال رصيده الفني.
وحول تأثير غياب صوته عن الإذاعة المصرية رفضاً لأغنياته، أوضحت جلال الدين أنه وجد ملاذه في الكاسيت الذي أوصله إلى المستمعين في جميع محافظات مصر وخارج مصر أيضاً، مختتمة حديثها بالتشديد على أنه كلون غنائي شعبي مختلف تماماً عن أسماء مثل محمد العزبي ومحمد رشدي وشفيق جلال ومحمد طه وغيرهم.
أحمد عدوية الذي ظهر خلال سبعينيات القرن الماضي مع موجة الانفتاح وفي ظروف اجتماعية لها سماتها المرتبطة بالظرف السياسي والاقتصادي كان يغني بلغة أهل الحارة والناس العادية، ويتحدث عن زحام المرور وهدهدة الرضيع والحسد، وكان ظاهرة غنائية لا يمكن تجاهلها، ولهذا على رغم الانتقادات والهجوم فإن السينما منحته عشرات الفرص للاستفادة من شعبيته، حتى لو كان عبر مشاهد ملفقة للسيناريو يظهر بها فقط من أجل جذب الجمهور.
هنا يشدد محمد شبانة على أهمية النظر إلى كل جوانب تجربة عدوية وأبرزها المرحلة الزمنية التي ظهر بها، والحال التي عبّر عنها، موضحاً أن "المستمع كان بحاجة إلى التغيير في هذا الوقت، كما أن الذائقة السمعية لدى الجماهير بصورة عامة لا تحب النمطية والغناء المصري شديد التنوع والثراء ولكل لون جمهوره العريض، وعلى رغم أن عدوية خرج كثيراً عن المألوف، لكن مقارنة بأغنيات المهرجانات حالياً فإنه مختلف تماماً على رغم أن طريقته كانت صادمة في عصرها، فقد حافظ على مستوى من الجودة والانضباط، والحقيقة أن حتى الهجوم الذي تعرض له كان مستوعباً نظراً إلى أنه ظهر خلال فترة سطوة أعمال الكبار مثل عبدالحليم حافظ وأم كلثوم التي كانت لا تزال مهيمنة على الأسماع".