سوريا تعود إلى صندوق النقد.. هل تحقق الطموحات أم تخيب الآمال؟

في الرابع عشر من أكتوبر 2026، أعلنت وزارة المالية عن عودة سوريا إلى صندوق النقد الدولي، ولكن هذه المرة ليست ضمن الاتحاد الروسي، بل من باب جديد: انضمامها إلى المجموعة العربية في دائرة التصويت، بعد غياب عن المحيط العربي منذ 2012. وبذلك تستأنف نشاطها الفعلي في الأول من نوفمبر 2026، في خطوة تحمل طموحات كبيرة وآمالاً أكبر.

إنّ الانتقال من مجموعة الاتحاد الروسي إلى المجموعة العربية ليس مجرد نقل عضوية أو إجراء إداري هامشي. صحيح أن الحصة السورية لم تتغير، وأن حصة روسيا لا تزال أكبر بقليل من حصة المجموعة العربية، إلا أنّ الفرق الجوهري في طبيعة المجموعتين ذاتيهما: فالاتحاد الروسي كان يضم روسيا وسوريا، وكان قراره يُتخذ من موسكو، وروسيا هي من كانت تنوب عن سوريا في مجلس الإدارة، وخاصة في ظلّ الضغوط السياسية والهيمنة الروسية خلال سنوات الحرب. أما المجموعة العربية فتضم 11 دولة عربية دون سوريا، وتُتخذ قراراتها بالتشاور والتعاون، ولها مدير تنفيذي مستقل يمثلها.

ولا يكمن الفرق هنا فقط، فثمة فرق آخر يدركه الجميع: ثقل المجموعتين. فالمجموعة العربية تمتلك ثقلاً دبلوماسياً أكبر داخل الصندوق، ليس نتيجة الحصة التصويتية، بل نتيجة انفتاح علاقاتها الدولية واتساع شبكة مصالحها مع غالبية الدول. وهذا على عكس روسيا، التي تتسم علاقاتها بالخلاف والصراع مع كثير من الدول، وخاصة الدول المهيمنة على الصندوق، ما يحدّ من قدرتها على بناء العلاقات

والفرق الآخر هو مساعي كل من المجموعتين: فروسيا تُغلّب أهدافها الجيوسياسية والاستراتيجية على مصالحها الاقتصادية، بينما تضع المجموعة العربية الصناعة والتنمية المستدامة في أولوياتها. وهذا الفرق مهم لسوريا، التي تمر بمرحلة انتقالية هدفها إعادة الإعمار والاستقرار السياسي وإقامة علاقات حسن الجوار، وهو ما لن يتحقق مع روسيا أبداً.

وأخيراً، فإنّ سوريا بحاجة ماسّة إلى السيولة النقدية، وهذا ما يجعلها تقترب من محيطها العربي، الذي يمتلك بنية نقدية أكثر سيولة وانفتاحاً للعالم الخارجي مقارنة بروسيا. ولكن السؤال المطروح على طاولة الحديث: هل ستحقق سوريا نجاحاً ومكاسب، أم ستقع في المخاطر وتخيّب الآمال؟

إنّ عودة سوريا إلى صندوق النقد الدولي هي بمثابة شهادة دولية أمام أعين المستثمرين الأجانب؛ فأنت تتكلم عن جهة مستقلة مدعومة من كبار دول العالم، وهذا أمر ليس بالبسيط. كما يمكن الاستفادة من خبرات الاقتصاديين في الصندوق، الذين واكبوا تجارب مختلفة في بلدان مختلفة، ولديهم خبرة في إدارة الديون والتضخم وإعادة الإعمار.

كما أنّ عودة سوريا من باب المجموعة العربية قد فتحت لها باب مشاورات المادة الرابعة، التي حُرمت منها منذ 2009، حيث يقوم فريق من الصندوق بجولات ميدانية ويجمع بيانات رسمية من داخل الواقع السوري، إضافة إلى مراجعة أداء الاقتصاد الكلي، من الناتج المحلي الإجمالي إلى السياسات النقدية والمالية، وانتهاءً بإعداد تقرير حول الوضع الاقتصادي وإرسال التوصيات بشأنه. وهذا ما يزيد من شفافية وضع الاقتصاد السوري دون لبس أو غموض.

وقد زار وفد من الصندوق وزارة المالية السورية، وأجرى دراسة للوضع الاقتصادي، توصل إلى توقع أثار استفهام الكثيرين: نمو في الاقتصاد يتجاوز 10 بالمئة. إلا أنّ تقرير الصندوق رافقه توصيف ميداني عن الفقر، وضعف الإنتاج المحلي، وتباطؤ في التعافي الاقتصادي.

لذلك، فإنّ نجاح سوريا في تحقيق هذا التوقع يعتمد على توجيه أولوياتها نحو تحسين سياساتها النقدية لمواجهة التضخم، الذي أشار إليه تقرير الصندوق. وأرى أنّ المصرف المركزي السوري يحاول معالجته، ولكن بأدوات محدودة دون نجاح فعلي. وهناك تباين بين المصرف المركزي الذي يحاول امتصاص التضخم، والوزارة المالية التي تتجه نحو زيادة الإنفاق الحكومي، وهذا التباين بين سياستين قد يسبب فجوات اقتصادية تودي إلى فشل هذا النمو لاحقاً.

لذلك أرى أنّ على المصرف المركزي التوجه نحو سياسة مختلفة، هي سياسة استهداف سعر التضخم، لتحقيق استقرار في الأسعار؛ لأن الوزارة المالية، في ظل الحاجة الماسّة إلى إعادة الإعمار، غير قادرة على تخفيض حجم الإنفاق الحكومي أبداً، وخاصة في بلد يعاني من دمار واسع في البنية التحتية.

ولذلك قام حاكم المصرف المركزي محمد صفوت رسلان باستبعاد فكرة الاقتراض من صندوق النقد الدولي؛ لأن الاقتراض من الصندوق وتوظيف القرض في البنية التحتية قد يسرّع وتيرة العمل، ولكن هل سيحقق الإيرادات اللازمة لتسديد التزامات القرض؟ خاصة مع انخفاض الإنتاج المحلي وارتفاع أسعار مشتقات النفط.

لذلك، فإنّ النجاح وتحقيق المكاسب من هذه الخطوة يتطلب إدارة تستوعب المخاطر وتقدّرها على المدى البعيد، وتوازن بين إنفاق الإعمار واستهداف التضخم، ولا تخلط بين الشهادة الدولية والتمويل.

أعلن في شمرا