رحلة فوق ما تبقّى

بدأت أولى طلعات مروحيات الجيش العربي السوري فوق مدينة دمشق والمعارض، في رحلات جوية قصيرة تحمل فائزين في قرعة أُعلنت ضمن فعاليات معرض دمشق الدولي، حسب ما أوردته “سانا ” على لسان أحد الناطقين باسم المؤسسة العسكرية، لتمنح عشرة أشخاص، في رحلتين يومياً، فرصة التحليق فوق العاصمة، في مشهد قُدِّم بوصفه احتفاءً بالجيش وتقريباً للمواطنين من مؤسستهم العسكرية.

كمواطن قد لا يحالفه الحظ في هذه القرعة، أسأل: هل ستحوم الجولة فوق المدن المدمرة في ريفي دمشق، كما اعتادت هذه الطائرات سابقاً؟ أم أنها ستكتفي بالتحليق فوق ما تبقّى من البلاد، فلا يعكّر صفوَ الرابح منظر شوارع صُبغت بالدماء، وجدران مالت على بعضها، وأخرى خرّت بفعل ما لاقت من تلك الطائرات؟ وفي حال كان الحظ حليفي، هل يمكنني استبدال الرحلة بقسيمة محروقات أو معونات، أو ربما بيعها!!

لستُ أحبّ الحساب، ولم أبرع يوماً في علوم الرياضيات، لكن لا ضير من بعض البحث عن تكلفة مثل هذه الطلعات، ومن يتكفّل بنفقاتها، ومن أين ستُدفع نفقات الوقود والصيانة والطواقم والإهلاك؟ ثم ما حجم المبلغ الذي ستصل إليه تكلفة طلعتين يومياً على امتداد أيام المعرض؟ وهل تُحسب هذه النفقات باعتبارها مهمة عسكرية، أم أن الطيران الترفيهي أصبح بنداً جديداً في استخدام موارد الجيش؟

عن موارد المؤسسات الحكومية اذكر جيداً الجدل الذي أثارته وزيرة الدفاع الألمانية السابقة كريستينه لامبرشت، والذي كان أحد أسباب استقالتها عام 2023، بعد اتهامات لها باستغلال موارد الجيش والمحسوبية، على خلفية اصطحاب ابنها معها في جولة رسمية، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول استخدامها الموارد العسكرية للأغراض الشخصية لينعكس على مصداقيتها ونزاهتها وسخط المواطنين لفعلتها.

كمتابع لن أعرّج على دعوات صُنّاع المحتوى وسذاجتهم، ولا على ما صدر عن أحدهم بحق أحد الطيارين ورمزيته كمنشق عن نظام الأسد، لكن المشكلة فيمن وضع مؤسسةً عسكرية وسلاحاً دُفع ثمنه بالدم في متناول هذا النوع من العبث والتهريج.

ليست المشكلة في أن تحلّق مروحية عسكرية فوق دمشق، بل في الاعتقاد أن تحويلها إلى جائزة في معرض كفيل وحده بمحو المعاني التي ارتبطت بها في ذاكرة السوريين. فالذاكرة لا تخضع للقرعة، ولا تُستبدل فيها سنوات الخوف برحلة تستغرق دقائق. فمن يقرر أن المروحية أصبحت رمزاً للحماية!! المؤسسة العسكرية؟ أم الشعب الذي كان ينظر إلى السماء كلما سمع صوتها؟

قد لاتكون المحبة بين الدولة ومواطنيها هي تسيير رحلات ترفيهية جوية وبحرية، ولا يمكن اختصارها بدقائق أو ساعات في السماء. فالمحبة تبدأ حين يشعر المواطن أن الدولة تعرف أين تنفق أمواله، وتعرف أن كرامته وحاجاته أولى من مشهد استعراضي، مهما كانت النيات.

وإن كانت هذه المروحيات قد تحولت فعلاً إلى رمز للحماية، فلا تجعلوها جائزة بالقرعة، دعوها تحمي، وإن كانت قد تحولت إلى لغة محبة، فلتكن هذه اللغة مع المحتاجين قبل أن تحلق فوق رؤوس الفائزين، فالمحبة التي تحتاج إلى كاميرا ومعرض وقرعة لكي يراها الناس، ما زالت بحاجة إلى أن تثبت نفسها على الأرض.

وأيضاً، كمواطن، اعتقد أن زوار المعرض ليسوا بحاجة إلى مروحية تحوم لتفيض عليهم برفاهية إضافية، لكن قد يبدو الأمر مختلفاً لو حلّقت وحطّت مروحية في أحد المخيمات، وحملت معها ما يُبقي على بعض من كرامة أهله، وكان في صناديقها ما يسدّ جوعاً، أو يدفئ برداً، أو يخفف عن عائلة شيئاً من أثقال الحياة، فهناك، هو المكان الذي يحتاج أهله فعلاً إلى أن يروا معنى الحماية، ويكون للمروحية معنى آخر. لكن حذاري.. اهبطوا بعيداً عن الخيام، فقد مزّقتها سنوات الحرب

أعلن في شمرا