تابعتُ مباريات منتخب سوريا للناشئات تحت 17 عاماً في بطولة غرب آسيا. في النهائي أمام لبنان، حسم المنتخب اللقب بركلات الترجيح؛ إذ تصدّت الحارسة ميديا حسين للركلات الحاسمة. تابعتُ لاحقاً الاحتفاء باللاعبات: «هذه ابنة قامشلو»، وتلك «البطلة الكردية السورية» أو «السورية الكردية»، كلّهنّ في الوقت نفسه ناشئات سوريا.
قالت ميديا، الفائزة بجائزة أفضل حارسة، وهي ترتدي الشال الكردي، إن ارتداء قميص سوريا «فخر ومسؤولية كبيرة»، وإن رفع الكأس مع زميلاتها كان أجمل من جائزتها الفردية. جملة تستحق الانتباه. فتاة كردية من القامشلي تستطيع أن تفخر بمدينتها وجذورها وبقميص سوريا، من دون أن تضطر إلى الاختيار بينهما. هذه، إحدى المسائل الأساسية في نقاش الهوية الوطنية بعد سقوط النظام.
وصف بنديكت أندرسون الأمة بأنها «جماعة متخيَّلة»، لا لأنها وهم، لأن معظم أبنائها وبناتها لن يعرف بعضهم بعضاً، مع ذلك يشعرون بأن بينهم رابطاً مشتركاً. والرياضة من أكثر المجالات التي يصبح فيها هذا الرابط محسوساً: أشخاص لا يعرف أحدهم الآخر ينتظرون الهدف نفسه، ويغضبون ويفرحون ويقفزون في اللحظة نفسها لأن كرة دخلت الشباك.
الرياضة في سوريا لم تكن بعيدة عن السياسة. صدر مرسوم إنشاء الاتحاد الرياضي العام في شباط/فبراير 1971، بعد أشهر من انقلاب حافظ الأسد، ثم رُبطت الحركة الرياضية بحزب البعث. رغم بناء منشآت واستضافة بطولات، وُضعت الرياضة، مثل قطاعات أخرى، داخل منظومة الحزب والدولة، ومُنع اللاعبون من الاحتراف خارج البلاد عقوداً. وحين فُتح باب الاحتراف مطلع الألفية دخل المال والسوق، وبقي الضبط الحزبي حاضراً في إدارات الأندية؛ أي إن «التحديث» لم يعنِ استقلال المجال الرياضي.
وصار الرياضي مطالباً بأكثر من الفوز: أن يشكر «القائد» ويهديه الإنجاز، وأن تحضر صور الرئيس وشعاراته في المشهد. ثم جاءت سنوات الحرب واستُخدمت ملاعب مثل العباسيين والجلاء والحمدانية أماكنَ احتجاز وثكنات. لذلك يصعب الحديث عن الملعب بوصفه مساحة فرح فقط؛ فهو أيضاً جزء من ذاكرة سياسية ثقيلة.
الانتقال إلى مرحلة جديدة لا يقتصر على تغيير الرموز، إنما يتطلب أيضًا إعادة النظر في العلاقة بين الرياضة والسلطة. بعد فوز سوريا على تونس، في افتتاح كأس العرب في كانون الأول/ديسمبر 2025، اتصل الرئيس أحمد الشرع ببعثة المنتخب مهنئًا، قال مدير المنتخب رغدان شحادة: «نهديك الفوز إلك وللشعب السوري». أثارت العبارة نقاشًا على مواقع التواصل حول معنى الانتصار الوطني والجهة التي يُنسب إليها. تكمن أهمية هذه الحادثة في أنها تكشف كيف يمكن للعادات السياسية واللغوية أن تستمر بعد تغيّر الأنظمة.
لذلك إعادة بناء الرموز الوطنية تشمل ترسيخ أن المنتخب يمثل السوريين والسوريات. وكلما ارتبط المنتخب بهم لا بالأفراد، تعزز دوره كمساحة وطنية مشتركة، وأصبح الحفاظ على استقلال رمزيته جزءًا من إعادة بناء مؤسسات رياضية أكثر استقلالًا وتمثيلًا للمجتمع.
لكن الامتناع عن ربط المنتخب بالولاء السياسي ليس كافياً؛ يبقى السؤال الآخر: أيّ سوريا يمثلها هذا المنتخب، ومن تتاح له أصلاً فرصة الوصول إليه؟ في المرحلة الانتقالية حُلّ الاتحاد الرياضي العام وأُنشئت وزارة الرياضة والشباب في آذار/مارس 2025. المؤسسات تتغير بقرار، أما الاختبار الحقيقي يكون في طريقة اختيار المنتخبات والبعثات، وفيمن يملك فرصة التدريب والوصول إلى لجان الانتقاء.
لا أعتقد أن المنتخب يجب أن يُبنى بالمحاصصة: لاعب كردي وآخر مسيحي وثالث درزي كي تبدو الصورة «جامعة». يجب أن يضم الأكفأ. لكن الكفاءة لا تنشأ في الفراغ. إذا كانت الملاعب والمدربون وتجارب الاختيار متاحة في مناطق أكثر من غيرها، سنختار الأفضل بين من استطاعوا الوصول لا الأفضل بين السوريين.
وحيث تُشترى المقاعد بالواسطة أو بالمال، تسقط الكفاءة قبل أن يبدأ الكلام عنها. ومن عاش عقوداً تحت شرط الموافقة الأمنية يعرف أن معيار الاختيار قد يكون سياسياً بالكامل وهو يرتدي لغة رياضية. والحصة لا تصلح شيئاً من هذا؛ إنها تتدخل في آخر الطريق. ما يصلحه أن تُنشر معايير الانتقاء وأسماء لجانه، وأن يُتاح الاعتراض، وأن يُنفق المال وفق الحاجة لا بالتساوي. عندها يصير التنوع نتيجة طبيعية للعدالة في الفرص، لا حصة مفروضة على المنتخب.
لدينا أمثلة. ميرغانا حجي، سورية كردية من الرقة، أحرزت باسم سوريا ثلاث ذهبيات وفضية في بطولة العالم للقوة البدنية للناشئات في جنوب أفريقيا. احتفى سوريون وسوريات من خلفيات مختلفة بإنجازها بوصفه مصدر فخر لهم ولسوريا. فلماذا نختار بين كونها كردية أو من الرقة أو سورية؟ يمكنها أن تكون كل ذلك في آن واحد.
ينطبق الأمر نفسه على الحارس إلياس هدايا، الذي برز مع المنتخب في كأس العرب. احتفى به كثير من السريان بوصفه واحداً منهم، قال إنه فخور بجذوره السريانية وبسوريا، فيما رآه سوريون من خلفيات مختلفة مصدر فخر لهم ولبلدهم.
تقدّم جنوب أفريقيا مثالاً على قدرة الرياضة وحدودها في آنٍ واحد. بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، تحوّل منتخب الرغبي تدريجياً من رمز مرتبط بالبيض إلى مساحة أوسع للتمثيل الوطني. وفي عام 2019، فاز الفريق بكأس العالم بقيادة سيا كوليسي، أول قائد أسود في تاريخه، تغيّرت صورة «من يمثّل الوطن». صحيح أن مباراة واحدة لا تحلّ خلافاً سياسياً ولا تعالج مظلمة، لكنها تستطيع أن تجعل كلمة «نحن» أوسع قليلاً.
إذا كان السؤال هو من يستطيع أن يرى نفسه في قميص سوريا، فالنساء أيضاً يجب أن يكنّ جزءاً من الصورة الوطنية للرياضة. في كأس العالم للسيدات 2023 صارت لاعبات أستراليا رمزاً وطنياً جمع ملايين المشاهدين؛ وكان الاحتفاء بهن تقديراً لنساء يمثّلن أستراليا ضمن المشهد الرياضي الوطني. وهذا ما تحتاجه سوريا: الاستثمار في ملاعب وتدريب ودوريات للفتيات والنساء، وضمان وصولهن إلى المنافسة منذ الصغر. فهذه مسألة مساواة، وجزء من بناء صورة وطنية تستطيع فيها السورية، مثل السوري، أن تكون وجهاً للبلد.
لهذا أعود إلى ناشئات سوريا وتلك المباراة: أجمل ما فيها أن لاعبات من أماكن وقصص مختلفة اجتمعن تحت اسم سوريا. وحين قالت ميديا حسين إن هدفهن إبقاء العلم عالياً، بدا ذلك تأكيداً أن الانتماء إلى سوريا لا يحتاج أن يبدأ بالتخلي عن المدينة أو اللغة أو الجذور؛ يمكن حملها كلها، ثم اللعب معاً في فريق واحد.