الافتتاحية بقلم رئيس التحرير
للوهلة الأولى قد تظن بأن العنوان المقتبس من قصيدة الشاعر الراحل نزار قباني يمهّد لنص وجداني حالم مفعم بالعاطفة يتناول قضية جمالية، إلا أنه في الحقيقة بعيد كلّ البعد عن ذلك، لأنه يسلّط الضوء على “الكلمات” والخطابات التي يجلد بها عدد من المسؤولين الجمهور في الفعاليات الرسمية.
خلال فترة حكم النظام المخلوع، بمرحلتيه، حكم الأب والابن، كان حضور فعالية رسمية بمنزلة عقوبة لا مهرب منها، على سبيل المثال تدشين دوار في قرية صغيرة يشعل المنافسة بين مسؤوليها، من أمين الفرقة الحزبية إلى رئيس البلدية ومدير الجمعية الفلاحية والمختار وصولاً إلى مدير المدرسة، في وقت يكون فيه الحاضرون مضطرين للإصغاء لخطابات إنشائية جوفاء، متخمة بمصطلحات البعث والعروبة والنضال والصمود والتصدي.
واليوم لم يتغير جوهر بعض تلك الخطابات كثيراً، فلا يتوقف بعض مسؤولينا عن “إطراب” حضورهم بمصطلحات جوفاء فارغة وإنشائية، وبلغة خشبية ركيكة لا تحمل أي قيمة حقيقية للمستمع، مع تغير تلك المصطلحات فقط، دون تغيير في جوهر الخطاب أو طريقة مخاطبة الجمهور وإقناعه، وكأنّ الهدف من إلقاء الكلمة فقط لمجرد الخطاب والاستعراض اللغوي.
تشير الأبحاث الحديثة إلى أهمية مفهوم “ماذا سأستفيد؟”، والذي يمكن اعتباره حجر الأساس في الخطابة المتمركزة حول الجمهور، وتعود جذوره إلى أدبيات علم النفس السلوكي وتطوير الذات والتسويق في القرن العشرين، وينطلق من دراسات نفسية تعتبر أن الجمهور أناني بطبعه أثناء الاستماع، فكل شخص في القاعة يسأل نفسه لا شعورياً منذ اللحظة الأولى: لماذا يجب أن أهتم؟ وكيف سيغير هذا الكلام حياتي، أو يحلّ مشكلتي، أو يطوّر مهاراتي أو يكسبني معلومة جديدة؟
تقوم تلك الدراسات على أن الجمهور لن يتفاعل مع أفكارك إلا إذا رأى فائدة مباشرة في حياته، فإذا كان حديثك قد حقق فائدة لهم وقدّم لهم معلومات جديدة تهمّهم، فقد نجحت في تلبية حاجتهم إلى “ماذا سأستفيد؟”.
لكن، أغلبية خطابات المسؤولين اليوم، تتمحور حول مسلّمات حفظها الحضور عن ظهر قلب، أو معلومات غير جديدة ومتداولة في أوقات سابقة، أو إنجازات لا تهمّ المستمع الذي ربما يكون مشغولاً بفاتورة كبيرة أو مرض مزمن، أو أنه ترك عملاً مهماً لتأكيد حضوره وينتظر انتهاء الكلمات المقررة، ليعود على وجه السرعة لإتمام عمله.
زاد في جمود الكلمات والخطابات استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد النصوص، ما جعل من الخطابات نصوصاً جافة بلا حياة ومكررة وفارغة تعرّي صاحبها المتحذلق، الذي يسارع ليسأل جاره في المقعد همساً بعد الانتهاء من الكلمة عن رأيه في قوتها وصياغتها وتفاعل الجمهور معها.
ليس مطلوباً من المسؤول كتابة نصوص إبداعية، لأن بإمكانه الاستعانة بأهل الاختصاص من المقربين إليه، بدلاً من الصياغة الميكانيكية والإنشاء الخوارزمي في محاولة لتبرير العجز اللغوي والإبداعي، فالجمهور اليوم ذكي بما يكفي للفرز والفهم، فينفر ويشمئز لمجرد سماعه نصاً يعتمد مُنْشِئُهُ على تكرار كلمات مفتاحية معلبة في أي نص كان، من قبيل: “ليس مجرد حفل، بل مهرجان”، و”بوصفه صرخة مدوية”، وغيرها من مصطلحات الذكاء الاصطناعي.
المهم في الخطاب، هو القدرة على التأثير في الجمهور، وتقديم المعلومة المهمّة لهم، وامتلاك القدرة على شدّ انتباههم للحديث، وعدم تشتيتهم أو منحهم شعوراً بالملل، ما عدا ذلك فستبقى الخطابات “كلمات ليست كالكلمات”، تجعل المستمع يقول في الختام:
وأعودُ.. أعودُ لطـاولـتي
لا شيء معي.. إلا كلمات