ثمة ظلم لا يبدأ بحرمان الإنسان من حقه، بل من الطريقة التي ننظر بها إليه. فما إن تُذكر الجزيرة ووادي الفرات حتى تحضر كلمات القمح والقطن والنفط والمياه. وحين يُذكر السكان، تحضر القبيلة والعشيرة والقومية والطائفة. كأن المكان يُعرَّف بما يملك، والإنسان بما ينتمي إليه. حتى عبارة “الجزيرة سلة غذاء سوريا” تستحق التأمل، فحين نصف مكاناً بما يطعمه للآخرين، قد نحوله، دون أن نشعر، من مجتمع إلى وظيفة. كيف عرفنا الشرق السوري؟ وماذا أردنا أن نعرف عنه؟
قبل نشوء الدولة السورية الحديثة، عبرت المنطقة رحلات أوروبية عديدة. سجلت الرحالة البريطانية الليدي آن بلنت عام 1878 تفاصيل عن القبائل وتنقلاتها، ثم جاء الرحالة والسياسي البريطاني مارك سايكس مدونًا أسماء العشائر وامتداداتها ومسالكها. لم تكن الرحلات متشابهة، ولا يصح اختزالها جميعاً في الاستشراق. لكنها تكشف اهتماماً بمعرفة السكان والموارد والتحالفات والطرق.
وكانت المعرفة أحياناً مشبعة بأحكام تراتبية. فقد شبّه سايكس مساكن بعض الفلاحين بمساكن الوحوش البرية، لكنه سجل أيضاً تداخل العرب والكرد ومصاهراتهم، وانتقد سياسات عثمانية غذّت الصراعات القبلية. كان المجتمع أكثر حركة وتداخلاً مما توحي به تصنيفاتنا الجامدة. وتكشف دراسات عشائر الفرات الأوسط، ومنها الغنامة، وجهاً آخر. فالقبيلة ليست اسماً وعدد خيام وفرسان، بل علاقات بالأرض والزراعة والأسرة والنهر. القبيلة في دفتر الرحالة تصنيف، أما حين ننظر إليها من الداخل فهي مجتمع.
مع نشوء الدولة السورية، ثم حكم البعث والأسد، تغيرت أدوات المعرفة والسلطة. ولا دليل على أن البعث ورث نظرته إلى الجزيرة من سايكس أو بلنت. لكن السؤال الأهم: هل تغيرت نظرة المركز إلى الأطراف بقدر تغير السلطات؟ لم تهمل الدولة المنطقة إهمالاً مطلقاً. فقد أُقيمت السدود ومشروعات الري، ووصلت المدارس والكهرباء إلى مناطق واسعة. لكن التنمية ليست مجرد مشروع حكومي. يمكن للدولة أن تستثمر في منطقة لأنها تحتاج إلى إنتاجها، دون أن تبني اقتصاداً متكاملاً يتيح الصناعة والتعليم والصحة والعمل وصناعة القرار.
وهذا ما يمكن تسميته “التنمية الوظيفية”، أن تُرى المنطقة من خلال وظيفتها للاقتصاد الوطني، لا من خلال حاجات مجتمعها وفرص تطوره. وهنا نستحضر الاقتصادي المصري سمير أمين، الذي تناول في كتابه “التنمية اللامتكافئة” العلاقة بين تراكم الثروة في المركز والتبعية في الأطراف. وليس المقصود إسقاط نظريته على سوريا حرفياً، بل الاستفادة من سؤالها الأساسي: كيف يمكن أن يتقدم مركز اقتصادي بينما تبقى المناطق التي تغذيه بالموارد أقل حظًا من التنمية؟ فالسؤال ليس: هل استثمرت الدولة في الشرق؟ بل ماذا أرادت منه حين استثمرت فيه؟
في ذاكرة دير الزور صورة مألوفة: موظف أو مسؤول يأتي في مهمة إلى المحافظة البعيدة، يحسب بدل السفر، ثم يعود بتنكة سمنة عربي أو جبنة من خيرات المنطقة. ليس شراء السمن فساداً، ولا بدل السفر المستحق مشكلة. لكن الصورة تكشف شيئاً من المخيال البيروقراطي للمكان، منطقة بعيدة، ومهمة تستحق بدلاً، وخيرات يمكن العودة بشيء منها.
أما دير الزور، بتاريخها ومجتمعها وذاكرتها، فتغيب خلف ما يمكن أخذه منها. إنها صورة مصغرة لعلاقة أوسع. فما يظهر في الأعلى قمحاً وقطناً ونفطاً، يظهر في الأسفل بدل سفر وتنكة سمن. ماذا يمكن أن نأخذ من الشرق؟
هنا نقترب من “النظرة الاستخراجية”، رؤية المنطقة من خلال ما يمكن الحصول عليه منها، قبل رؤية الحياة التي ينبغي بناؤها فيها. ومنها تنشأ مفارقة المورد والهامش: أن تكون المنطقة مركزية حين تنتج الثروة، وهامشية حين تتوزع الفرص. معرفة المجتمع أم معرفته لحكمه؟
لم تكن الدولة الأسدية جاهلة بمجتمعها. فقد اهتمت أجهزتها بالعائلات والعشائر والشخصيات المحلية والولاءات. وينقل الباحث البريطاني آلن جورج عن الكاتب والمعارض السوري ميشيل كيلو قوله: “البعث لا يعترف بالمجتمع، إنه يعتبر أنه هو المجتمع”. وهنا يظهر الفرق بين معرفة المجتمع، ومعرفته لكي تحكمه.
قد تعرف السلطة شيخ العشيرة والشخص المؤثر ومن يستطيع تحريك الناس، لكنها لا تسأل بالقدر نفسه: لماذا يهاجر الشباب؟ ماذا تحتاج المدارس؟ وأين تذهب القيمة المضافة للثروة؟ لقد عرفت السلطة الشرق، في جانب مهم، من فوق. وهنا تتجلى مفارقة ثانية: مفارقة المعرفة والهامش. فالرحالة رسم القبائل والمسالك، والدولة أحصت السكان والإنتاج، والأجهزة الأمنية راقبت الولاءات.
لا تجمع هذه المراحل بالضرورة علاقة سببية، لكن يجمعها اختلال واحد: لم يحتكر المركز الموارد والقرار فحسب، بل امتلك أيضاً سلطة تعريف الأطراف وتحديد ما يستحق أن يُعرف عنها.
سيكون مضللاً تفسير هذا الاختلال بالطائفية وحدها. فقد حكم نظام الأسد عبر شبكات عائلية وأمنية وطائفية ومصلحية، لكن ذلك لا يعني استفادة كل أبناء الطائفة، أو رخاء الساحل كله، أو أن كل دمشقي كان جزءاً من مركز القرار. المركزية الإدارية والتفاوت التنموي والمحسوبية السياسية ظواهر متقاطعة، لكنها ليست شيئاً واحداً.
المركز ليس دمشق بوصفها مدينة، المركز طريقة في الحكم. ولهذا لا يضمن تغيير السلطة وحده إنهاء التهميش. فقد تتغير الأعلام والمؤسسات ويبقى توزيع القرار والفرص على حاله. بل يستطيع الهامش نفسه، حين يمتلك السلطة، أن يصنع مركزه وأطرافه. فالمسألة ليست فقط: من يحكم الشرق؟ بل: كيف يُحكم؟
لا ينبغي أن تُختزل عودة الرقة ودير الزور والحسكة إلى دولة سورية موحدة باستعادة حقول النفط والسدود والمعابر. فالعدالة لا تعني احتفاظ كل محافظة بثروتها. نفط الشرق ثروة للسوريين جميعاً، كما أن الموانئ والصناعة وخبرات بقية المناطق موارد وطنية مشتركة. لكن لهذه المعادلة نصفاً آخر: إذا كانت ثروة الشرق لجميع السوريين، فيجب أن تكون فرص سوريا لجميع السوريين، ومنهم أهل الشرق أيضاً.
وأن تتحول الثروة إلى جامعة جيدة، ومستشفى لائق، وصناعة تستفيد من المواد الخام، وفرص عمل، وتمثيل عادل، وإدارة محلية تعرف احتياجات مجتمعها. ليس المطلوب امتيازاً للشرق لأنه ينتج النفط والقمح، بل ألا يُعاقب لأنه بعيد عن مركز القرار.
سأل الرحالة: من يسكن هناك، وأين تكمن الثروات؟ وسألت الدولة: ماذا تنتج الأرض؟ وسألت الأجهزة: من يؤثر في الناس؟ وسألت الحروب: من يسيطر على الحقل والسد والمعبر؟ وبقي السؤال الأهم: أي حياة يريد أهل المنطقة أن يبنوها فوق أرضهم؟ فالشرق السوري ليس سلة قمح، ولا خزان نفط، ولا مستودع عشائر وقوميات. إنه مجتمع قبل أن يكون مورداً.
ولعل أقسى اختصار لعلاقة امتدت طويلاً أننا عرفنا ما تحت أرض الشرق أكثر مما عرفنا الإنسان الذي يعيش فوقها. وإعادة بناء سوريا لا تبدأ باستعادة الحقول وحدها، بل باستعادة الإنسان إلى مركز الصورة. حينها لن نسأل: ماذا يستطيع الشرق أن يعطينا؟ بل السؤال الذي تأخر طويلاً: كيف نبني سوريا لا تحتاج إلى هامش كي يكون لها مركز؟