لم يعد الكرياتين مجرد مكمل غذائي لبناء العضلات وتعزيز الأداء الرياضي، إذ يثير اهتمام العلماء لاحتمال تأثيره الإيجابي في صحة الدماغ والمزاج. وتشير دراسات أولية إلى فوائد محتملة في تخفيف الاكتئاب وتحسين الذاكرة ومقاومة آثار الحرمان من النوم.
بعدما كان مكمل الكرياتين (Creatine) يستقطب أساساً المولعين باللياقة البدنية، سرعان ما أصبح واحداً من أكثر المكملات الغذائية استخداماً في العالم.
وفي حين تؤكد الأدلة فوائد الكرياتين في تعزيز القوة وتحسين الأداء الرياضي، تتزايد التوصيات بتناوله لما يُعتقد أن له من تأثيرات إيجابية في الصحة النفسية والإدراكية. بل إن مراجعة علمية حديثة أشارت إلى احتمال أن يسهم هذا المكمل أيضاً في علاج الاكتئاب.
وتبدو هناك أسباب عدة تدعم الاعتقاد بأن الكرياتين قد يعود بالنفع على الدماغ والصحة النفسية.
لكن قبل الشروع في تناول هذا المكمل الغذائي بغية تعزيز الصحة والعافية، من المهم فهم ما توصلت إليه الأبحاث حتى الآن، والوقوف على حدود الأدلة العلمية المتاحة في هذا المجال.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن المعروف أن الكرياتين مركب عضوي ينتجه الجسم طبيعياً. كما يوجد في اللحوم البيضاء والحمراء، وبعض أنواع الأسماك، مثل السلمون والتونة وسمك القد والرنجة.
ويؤدي الكرياتين دوراً في إمداد الجسم بالطاقة، إذ يساعد أساساً على توفيرها للعضلات أثناء النشاط البدني. ويخزن الجسم معظم الكرياتين في العضلات، فيما يحتفظ الدماغ بكمية أقل منه.
ويُعد الدماغ أحد أكثر أعضاء الجسم استهلاكاً للطاقة. فعلى رغم أنه لا يمثل سوى اثنين في المئة من وزن الجسم، فإنه يستهلك نحو 20 في المئة من إجمال طاقته، لا سيما عند التفكير في مسائل معقدة أو إنجاز مهام تتطلب جهداً ذهنياً.
وعندما ينخفض مستوى الطاقة في الدماغ، قد تتأثر سلباً المواد الكيماوية الأساسية المسؤولة عن تنظيم المزاج. كذلك يُعتقد أن نقص الطاقة في الدماغ قد يسهم في الإصابة باضطرابات نفسية وعقلية مختلفة، من بينها الاكتئاب، والاضطراب الثنائي القطب، والفصام.
ووجدت الأبحاث أيضاً أن مستويات الكرياتين في الفص الأمامي من الدماغ (الفص الجبهي)، وهي منطقة رئيسة مرتبطة بتنظيم المزاج، قد تكون منخفضة لدى المصابين بالاكتئاب.
ولهذا، طرح الباحثون احتمال أن يكون الكرياتين مفيداً في علاج بعض الاضطرابات النفسية والعقلية، ومن بينها الاكتئاب.
قبل نحو 40 عاماً، اكتشف العلماء وجود صلة بين الأفكار الانتحارية وانخفاض مستويات الكرياتين.
ومنذ ذلك الحين، بحثت دراسات عدة في احتمال وجود علاقة بين مستويات الكرياتين والصحة النفسية.
وأظهرت دراسات واسعة النطاق أن الأشخاص الذين يستهلكون كميات أكبر من الكرياتين يسجلون معدلات أقل للإصابة بالاكتئاب.
كذلك رصدت الأبحاث تحسناً في المزاج لدى مراهقين يعانون اكتئاباً مقاوماً للعلاج، بعدما تناولوا مكملات الكرياتين إلى جانب أدويتهم المعتادة. وظهرت نتائج مماثلة لدى بعض المصابين بالاضطراب الثنائي القطب، الذين أفادوا بأن تناول مكملات الكرياتين تزامناً مع أدويتهم المعتادة ساعد على تخفيف أعراضهم.
وللحصول على صورة أشمل عن تأثير الكرياتين في الصحة النفسية، أجرى باحثون مراجعة منهجية حديثة شملت خمس تجارب سريرية، بمشاركة 238 مريضاً. وأظهرت نتائج تجربتين وجود فوائد، في حين لم تكشف التجارب الثلاث الأخرى عن أي تأثير يُذكر.
لكن من المهم الإشارة إلى أن كل تجربة من هذه التجارب كانت محدودة الحجم، وأن كلاً منها سعى إلى الإجابة عن سؤال مختلف. فبعضها اختبر استخدام الكرياتين بمفرده، وبعضها درس أثر تناوله إلى جانب مضادات الاكتئاب، فيما بحث بعضها الآخر ما إذا كان الجمع بينه وبين العلاج النفسي يحقق أي فوائد إضافية.
وتفاوتت بصورة ملحوظة جرعات الكرياتين والمدة الزمنية التي تناول فيها الأشخاص هذا المكمل الغذائي.
وهذا يُصعب التوصل إلى استنتاج قاطع، مما يستدعي إجراء تجارب أوسع.
يبحث العلماء أيضاً في إمكان إسهام الكرياتين في تحسين جوانب أخرى من الوظائف الإدراكية، ولا سيما ما يتعلق منها بالذاكرة.
فتتطلب قدرة الدماغ على معالجة المعلومات وتخزينها واسترجاعها قدراً كبيراً من الطاقة. وإذا اختل إمداده بها، فقد تتأثر سلباً قدرتنا على معالجة المعلومات واستدعائها من الذاكرة.
فعلى سبيل المثال، من المعروف أن الحرمان من النوم يؤثر سلباً في جوانب عدة من الوظائف الإدراكية، من بينها الانتباه ومعالجة المعلومات في الذاكرة. وتشير أبحاث إلى أن نقص الطاقة في الدماغ قد يكون أحد التفسيرات المحتملة لذلك.
وكشفت دراسات استخدمت تقنيات تصوير الدماغ أن الأشخاص الذين يعانون الحرمان من النوم يستهلكون كميات أكبر من الكرياتين، وهو ما يؤدي إلى استنزاف جزء من مخزون الجسم المتاح منه.
وأظهرت الأبحاث أيضاً أن تعويض مخزون الكرياتين بعد ليلة من النوم السيئ قد يساعد على التخفيف من آثار الحرمان من النوم في الدماغ.
وتناولت دراسة شملت 15 شخصاً من الأصحاء تأثير جرعة واحدة مرتفعة من الكرياتين، بلغت نحو 25 غراماً، في تداعيات الحرمان من النوم والوظائف الإدراكية. وأظهرت صور أدمغة المشاركين انخفاض مستويات الكرياتين فيها نتيجة الحرمان من النوم. لكن بعد تناولهم المكمل، كشفت الصور أن الدماغ امتص الكرياتين واستخدمه.
وسجل المشاركون الذين تناولوا الكرياتين تحسناً في أدائهم في مهام تتطلب استخدام الذاكرة القصيرة الأمد، فضلاً عن تحسن سرعة الاستجابة والقدرة على معالجة المعلومات، مقارنة بالمشاركين الذين لم يتناولوا هذا المكمل.
ولا تكفي هذه الدراسة المحدودة لتبرير التوصية بتناول الكرياتين لمواجهة آثار الحرمان من النوم. لكن بالنظر إلى ارتباط قلة النوم أيضاً بارتفاع خطر الإصابة بالقلق والاكتئاب، فقد يشكل هذا المكمل وسيلة محتملة للحفاظ على الوظائف الإدراكية على المدى القصير.
ونظراً إلى أن مستوى الطاقة في الدماغ يؤثر في جوانب عدة من وظائفه، يتزايد اهتمام العلماء أيضاً بدراسة التأثيرات المحتملة للكرياتين في أمراض أخرى تصيب الدماغ.
فعلى سبيل المثال، يُنظر إلى اختلال إمدادات الطاقة في الدماغ باعتباره عاملاً مهماً في تطور مرض ألزهايمر، إذ تُسجل مستويات منخفضة من الكرياتين في مناطق عدة من الدماغ تتأثر بهذا المرض.
لكن هذه الصلة لم تبحث إلا في دراسة واحدة محدودة للغاية. وعلى رغم أن نتائجها أظهرت مؤشرات مشجعة إلى احتمال إسهام الكرياتين في تحسين ما يُعرف بـ"الذكاء السائل" (أي القدرة على التفكير المجرد والاستدلال السريع)، فضلاً عن تحسين القراءة والذاكرة العاملة لدى مرضى ألزهايمر، فإن الأمر يتطلب مزيداً من الأبحاث قبل التوصية باستخدام الكرياتين علاجاً لهذا المرض.
ومن المهم التنبيه إلى أن جميع الدراسات التي بحثت فوائد الكرياتين للصحة النفسية أو الوظائف الإدراكية كانت محدودة الحجم، ولذلك لا تتوافر حتى الآن أدلة علمية قاطعة تثبت فعاليته في هذه المجالات.
كذلك لا يزال العلماء يجهلون الجرعة المناسبة من الكرياتين والمدة المثلى لتناوله. وربما يحتاج الدماغ إلى جرعات أعلى وفترة استخدام أطول مقارنة بالجرعات والمدد المعتادة لأغراض اللياقة البدنية، إذ لا يصل الكرياتين إلى الدماغ بسهولة. لذلك، تبرز أهمية تحديد الجرعة الملائمة لتعزيز مستوياته في الدماغ، والتحقق في الوقت نفسه من سلامة استخدامها.
وفي الوقت الراهن، يبقى أفضل ما يمكن فعله هو الحرص على الحصول على كمية كافية من الكرياتين من خلال اتباع نظام غذائي متوازن.
زودين بوتوتشيري أستاذ طب العناية المركزة في جامعة كوين ماري في لندن.
نشر المقال في الأصل على موقع "ذا كونفرسيشن" The Conversation، ويعاد نشره بموجب رخصة "كرييتف كومنز". يمكن الاطلاع على المقال الأصلي هنا.