سيطرت أجواء المواجهات في مناطق شمال شرق سوريا على أحداث الأسبوع الحالي في البلاد، والذي انتهى بهدوء نسبي بعد دخول القوات الحكومية إلى “الرقة” و”دير الزور” وانكفاء “قسد” نحو الحسكة والقامشلي، وصولاً إلى اتفاق تهدئة لمدة 4 أيام تنعقد الآمال أن يخلص إلى اتفاق نهائي.
البداية الميدانية كانت الأسبوع الماضي حين انتهت المعارك بسيطرة القوات الحكومية على حيّي “الشيخ مقصود” و”الأشرفية” في “حلب” وخروج من تبقّى من عناصر “الأسايش/قسد” من المدينة، لتتجه الأنظار فوراً نحو “دير حافر” بريف “حلب” الشرقي التي كانت تحت سيطرة “قسد”.
الجمعة 16 كانون الثاني، أصدر الرئيس الانتقالي “أحمد الشرع” المرسوم رقم 13 الذي نصّ على الاعتراف بالحقوق الثقافية للسوريين الكرد، واعتبار اللغة الكردية لغة وطنية يسمح بتدريسها في المدارس، ومنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا بما فيهم “مكتومي القيد”.
وأشار المرسوم إلى اعتبار عيد النوروز يوم 21 آذار عطلة رسمية باعتباره عيداً وطنياً، والتزام مؤسسات الدولة الإعلامية والتربوية بتبنّي خطاب وطني جامع، وحظر أي تمييز أو إقصاء على أساس عرقي أو لغوي، ومعاقبة كل من يحرّض على الفتنة القومية.
مرسوم يمنح الكرد حقوقهم وانسحاب لقسد.. هل تفتح الخطوتان باب التهدئة؟
في اليوم ذاته، أعلن قائد “قسد” “مظلوم عبدي” أن قواته سينسحبون السبت من نقاط التماس في ريف “حلب” الشرقي بناءً على دعوات من الدول الصديقة وتعبيراً عن حسن النية والالتزام بتنفيذ اتفاق 10 آذار وفق حديثه.
كان يوم 17 كانون الثاني بداية التحوّل في مسار الأحداث، فعوضاً عن انتقال سلمي سلس للسيطرة من “قسد” إلى القوات الحكومية، تحوّل الموقف إلى اتهامات متبادلة لتعلن “هيئة عمليات الجيش السوري” “غرب الفرات” منطقة عسكرية مغلقة تمهيداً لعمل عسكري ضد “قسد”، مشيرةً إلى أن المواجهة تستهدف عناصر “حزب العمال الكردستاني”، وتابعت تقدمها باتجاه “الطبقة” والضفة الشرقية للفرات.
أما في السياسة، فقد أعلنت الرئاسة السورية توقيع “الشرع” اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل، والتي سبقه “عبدي” في التوقيع عليها، علماً أنها جرت برعاية أمريكية قادها المبعوث الأمريكي إلى سوريا “توم براك”.
الحسكة: فرار عناصر داعش يزيد التوترات في الشدادي
الاتفاق الجديد نصّ على وقف كامل لإطلاق النار، وتسليم محافظتي “دير الزور” و”الرقة” إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية، إضافة لدمج كافة المؤسسات المدنية في محافظة “الحسكة” ضمن مؤسسات الدولة، واستلام “دمشق” كافة المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، ودمج كافة عناصر “قسد” ضمن وزارتي الداخلية والدفاع بشكل “فردي”.
كما تم الاتفاق على إصدار مرسوم بتسمية مرشح لمنصب محافظ للحسكة كضمانة للمشاركة، بالإضافة لإخلاء مدينة “كوباني/عين العرب” من المظاهر العسكرية وتشكيل قوة أمنية من أبناء المدينة على أن تتبع لوزارة الداخلية، ودمج الإدارة المسؤولة عن ملف السجناء ومخيمات “داعش” مع الحكومة السورية، واعتماد قائمة قيادات مرشحة تقدمها “قسد” لشغل مناصب عسكرية في هيكلية الدولة، والتزام “قسد” بإخراج عناصر “حزب العمال الكردستاني” غير السوريين خارج سوريا، والعمل للوصول إلى تفاهمات لعودة آمنة لأهالي “عفرين” و”الشيخ مقصود” إلى مناطقهم.
احتدام معركة السجون .. التحالف يفاوض حول الهول .. وخلايا تهاجم سجن الصناعة
وعلى الرغم من الاتفاق، فقد استمرت المواجهات على الأرض وكانت القوات الحكومية تندفع بسرعة شرقاً، مقابل انسحاب “قسد” وتبادل الاتهامات بخرق الهدنة وارتكاب الانتهاكات.
بحلول الاثنين، كانت القوات الحكومية قد أتمّت السيطرة الميدانية على محافظتي “الرقة” و”دير الزور”، بالتوازي مع ترحيب العشائر وعدد من الأهالي بدخولها، مقابل انسحاب “قسد” نحو محافظة “الحسكة”، ومع ساعات المساء أعلنت وزارة الدفاع السورية وقفاً لإطلاق النار مع “قسد” مدته 4 أيام لمنح “قسد” مهلة للتشاور من أجل وضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عملياً، وقالت أن القوات الحكومية لن تدخل إلى مراكز مدينتي “الحسكة” و”القامشلي”، مشيرة إلى أن قائد “قسد” سيقترح اسماً لشغل منصب معاون وزير الدفاع ومرشحاً لمنصب محافظ الحسكة، وقائمة لعضوية مجلس الشعب.
شكّل ملف سجون “داعش” نقطة خلاف أساسية مع احتدام المواجهات وسط تبادل الاتهامات بين الطرفين بالمسؤولية عنه، حيث ترافق دخول القوات الحكومية إلى مدينة “الشدادي” جنوب “الحسكة” مع هروب عدد من معتقلي “داعش” من سجن المدينة بعد انسحاب “قسد” التي قال المتحدث باسمها “فرهاد شامي” أن 1500 عنصراً من “داعش” هربوا من السجن مع ما يشكّلونه من خطر على المنطقة، بينما قالت الداخلية السورية أن مجمل عدد الفارّين من السجن لا يتجاوز 120 عنصراً وقد نجحت في إعادة اعتقال 81 منهم.
في حين، انتشرت القوات الحكومية في محيط سجن “الأقطان” في “الرقة” مقابل رفض عناصر “قسد” الانسحاب منه، بينما أعلنت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع أن وزارة الداخلية تتواصل مع السجن لتأمين جميع الاحتياجات المطلوبة.
اتهامات متبادلة بين قسد ودمشق بخرق الهدنة .. وهجوم يودي بحياة 7 من عناصر الجيش
أما في “الحسكة” فقد أعلنت “قسد” أن إحدى الخلايا النائمة التابعة لـ”داعش” حاولت مهاجمة سجن “الصناعة” لكن المحاولة باءت بالفشل.
في حين تسلّم “التحالف الدولي” مهمة التفاوض حول مصير “مخيم الهول” الذي يضم عدداً كبيراً من عائلات “داعش”، لينتهي الأمر يوم الثلاثاء بانسحاب عناصر “قسد” من المخيم وتسلّم القوات الحكومية مهمة إدارته.
وقد أعلنت “الولايات المتحدة” يوم الأربعاء بدء مهمة لنقل 7 آلاف من عناصر “داعش” من سوريا إلى العراق لضمان بقائهم في مرافق احتجاز آمنة.
استمر وقف إطلاق النار اليوم الخميس رغم تبادل الاتهامات بالخروقات بين “دمشق” و”قسد” التي اتهمت القوات الحكومية بمواصلة قصف مواقع في محيط “كوباني/عين العرب” شمال “حلب”، فيما قالت وزارة الدفاع السورية أن طائرة انتحارية تابعة لـ”قسد” استهدفت مقراً قرب معبر “اليعربية” كان يضم أسلحة وذخائر ما أودى بحياة 7 من عناصر الجيش وإصابة 20 آخرين بجروح.
في “أربيل” عقد “مظلوم عبدي” اجتماعاً مع “توم باراك” بحضور رئيس حكومة إقليم كردستان العراق “نيجيرفان برزاني”، إلى جانب مشاركة قائد القوات الأمريكية في سوريا “كيفن لامبارت” ورئيس المجلس الوطني الكردي “محمد إسماعيل”.
ماذا تعرفون عن الرقة؟.. المحافظة المثقلة بالحرب والموارد والانقسام
وقال “براك” أن التقى اليوم “عبدي” و”إلهام أحمد” حيث أكد لهما دعم الولايات المتحدة والتزامها بتعزيز عملية الاندماج التي نصّ عليها الاتفاق مع دمشق، مبيناً أن جميع الأطراف اتفقت على أن الخطوة الأساسية هي الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، والعمل معاً لتحديد وتنفيذ تدابير بناء الثقة من جميع الأطراف لتعزيز الاستقرار الدائم.
أما “برزاني” فأكّد في بيان له بعد الاجتماع استمرار جهوده واتصالاته مع جميع الأطراف المعنية من أجل استدامة وقف إطلاق النار، واحتواء التوترات والاستئناف الفوري للحوار بين “قسد” و”دمشق”، مشدداً على أهمية ضمان وحماية حقوق السوريين الكرد في ظل سوريا موحدة.
وأعرب “عبدي” في المقابل عن شكره لـ”برزاني” وإقليم كردستان العراق، مؤكداً استعداد “قسد” ورغبتها في الحل السلمي للمشاكل على أساس ضمان حقوق الكرد ضمن سوريا موحدة.