المعروف أن الكوميديا وجبة أساسية في دراما رمضان المصرية، ولكن هذا العام خيبت العديد من تلك الأعمال، والتي كانت منتظرة بشدة، آمال الجمهور، وبينها مسلسلات لأسماء مهمة لديها باع طويلة في عالم السخرية والإضحاك، فهل هناك استخفاف بين الصُناع في التعامل مع المسلسل الكوميدي، أم أن بعض النجوم لديهم ثقة زائدة جعلتهم يرتكبون أخطاء مدوية في ما يتعلق باختياراتهم للنصوص؟!
من بين أكثر من 40 مسلسلاً رمضانياً مصرياً عرضت ضمن موسم رمضان 2025، تحتل الدراما الكوميدية مساحة الربع تقريباً، بنحو عشرة مسلسلات ما بين الكوميديا الخالصة والاجتماعية ذات الخط الكوميدي، إذ توقع الجمهور والنقاد أيضاً أن يكون مذاق الضحك وطريقة تناول الموضوع على قدر التوقعات، لا سيما أن غالبية الأعمال تحمل أسماء نجوم باتوا محل ثقة في هذا اللون، بينهم محمد هنيدي وأكرم حسني ودنيا وإيمي سمير غانم، وغيرهم كُثُر.
لكن على ما يبدو أن بعضاً منهم تعثر بشكل غير متوقع، فهل هناك نوع من الاستسهال في التعامل مع الدراما الساخرة بالفعل واعتبارها مجرد دراما تُطهى على عجل بموازنة محدودة ومن دون تدقيق، أم أن الأمر كله سوء اختيار وتوظيف وتنفيذ وتسكين أدوار لا أكثر؟
معروف أن المسلسلات الباعثة على الضحك رفيق مهم خلال موسم رمضان، إذ تختار لها القنوات التلفزيونية دوماً الموعد الأكثر تميزاً، ويكون بالتزامن مع تناول وجبة الإفطار في مصر، بل وتتسابق القنوات التلفزيونية على التعاقد لشراء مسلسلات نجوم الكوميديا، لأنها مواد مضمونة المشاهدة، وتحظى بقاعدة شعبية عريضة.
لكن لم يكن موسم رمضان 2025 هو الأفضل لمشاهير هذا المجال، إذ تعددت الأسباب وبعضها نابع من أن هناك استخفافاً حقيقياً بفكرة الكوميديا وبأسلوب عرض القضية التي تدور حولها الأحداث على رغم الأهمية القصوى لهذا الفن، الذي يمكن أن يمرر في قالب محبب، موضوعات اجتماعية واقتصادية وحتى سياسية في غاية الأهمية، ويجعل المشاهد يعيد النظر في أمور كثيرة، إذ إن بعض النجوم المعروفين بجماهيريتهم، وقعوا في فخ ومأزق التكرار وربما الثقة الزائدة بالنفس.
الضحك لا يناقض الجدية ولا القيمة
مع ذلك، كانت هناك بعض العلامات المضيئة، مثل مسلسل "النُّص" بطولة أحمد أمين وإخراج حسام علي، الذي عُرض على مدى 15 حلقة، وانتهى في النصف الرمضاني الأول، إذ حظي العمل بتقدير المشاهدين والجمهور، ولم يمنعه طابعه الكوميدي الساخر من التعامل مع قصته بجدية واجتهاد شديدين، بعدما تضمنت الحلقات دراما مسلية ومُحكمة، وفي الوقت نفسه اهتماماً بأدق تفاصيل الحقبة الزمنية، وهي ثلاثينيات القرن الماضي، إذ دارت الحكاية المسلية حول نشّال "سارق" يُلقب بـ "النص"، واشتبكت القصة مع سلوك المصريين مع المحتل البريطاني في تلك الفترة.
ويرى الكاتب وجيه صبري، الذي اشترك في سيناريو المسلسل بصحبة شريف عبد الفتاح وعبد الله جاويش، أن أي عمل فني سواء كان كوميدياً أو تراجيدياً، "يجب أن يؤخذ بجدية". لافتاً إلى أنه حتى لو كانت الدراما تعتمد على المبالغات والأحداث الخيالية، لكن يجب أن يكون السياق والتناول مقنعاً، فالاتفاق بين الصناع والجمهور أن هذا عمل يتضمن "هزار"، لكن ليس معنى ذلك أن "نستخف بعقل المشاهد، أو أن يكون المستوى الفني ضعيفاً".
وأضاف صبري، "في ما يتعلق بـ (النص) على سبيل المثال الذي نحضّر لموسمه الجديد حالياً، نحن لدينا قصة لها بعد تاريخي واضح، فكان هناك أكثر من تحدٍّ بينها أن الموازنة يجب أن تكون متوافقة مع حجم التجهيزات كملابس وديكورات وغيره، وكذلك البحث الطويل والعميق للوقوف على كل التفاصيل، وأيضاً الدقة في كل عنصر، فلا يجب أن نستخدم جهازاً أو آلة حديثة لم تكن معروفة في ذلك الوقت، أو تعبيراً لفظياً دارجاً بشدة في الوقت الحالي. كما كان هناك تحدٍّ آخر بأننا نقدم عملاً يعود للماضي نحو مئة عام، لكن أيضاً هو يعرض لجمهور هذا العصر، بالتالي يجب أن تكون الألفاظ سهلة ومفهومة من دون خروج عن السياق الزمني".
لماذا يستخف صناع الكوميديا بهذا الفن؟
وعلى رغم تجربة وجيه صبري الإيجابية في مشروع كوميدي كان من المسلسلات القليلة التي لها صدى إيجابي هذا الموسم وانتصروا لمعادلة الإضحاك من دون استخفاف، إلا أنه لا ينكر أنه يعرف أن بعض من يقفون وراء إنتاج وتنفيذ الأعمال الكوميدية يتعاملون معها على أنها مشروع "بلا تكلفة ضخمة ومن دون حاجة إلى تحضيرات كبيرة"، إذ يرونه مجرد حلقات لـ "الهزار". لكنه يضيف "أعتقد أن هذه النظرة الشائعة والدارجة سوف تتغير خلال السنوات القليلة المقبلة، نظراً إلى أن الجمهور أصبح يقدر العمل المتقن، كما أن وجود منصات العرض وتعدد وتنوع الإنتاجات سوف يجعل المشاهد لديه توقعات عالية في ما يتعلق بالدراما بشكل عام، بالتالي لن يكون هناك مكان للمستهترين بقيمة الدراما الكوميدية".
أسماء يحيى الطاهر عبدالله، مدرس الدراما والنقد بكلية الآداب جامعة حلوان، ترى أنه من الصعب عليها الحكم على بعض التفاصيل المرتبطة بسير العملية الإنتاجية، سواء في ما يتعلق بالتكاليف أو غيره، لكن ما تلمسه هو أن كثيرين "لا يهتمون بالنواحي الفنية عند تقديم عمل كوميدي، ويعتقد البعض أن الاعتماد على نجم معروف بحسه الكوميدي أو بقدرته على إلقاء النكات على السوشيال ميديا سوف يضمن النجاح".
وتتابع، "الإضحاك في حد ذاته أمر محبب وجيد، لكن معيار خفة دم البطل ليس كافياً، ولا يمكن البناء عليه منفرداً، فيجب الوضع في الاعتبار أن الكتابة الساخرة هي كتابة صعبة للغاية أصعب من الأكشن والتراجيديا، لأنها تقوم على فكرة النقد بشكل أساسي وحتى محاكاة شخصيات أو مواقف أو مشاهد سابقة من أعمال بطريقة ساخرة، يجب أيضاً أن يكون خلفها مقدار كافٍ من الوعي لمناطق الضعف في خطابها ورؤيتها، ثم عرض وجهة نظر معينة فيها يتم التركيز عليها، إضافة بالطبع إلى وعي الجمهور كذلك، الذي يعمل عقله ويعيد التفكير في ما يجري ويحلله، فالسخرية وسيلة في غاية الأهمية، لأنها تكسر قدسية الخطاب الدارج".
كسر قدسية الخطاب الشائع
وترى الممثلة وأستاذة الدراما والنقد أن مسلسل "أشغال شقة جداً" من المسلسلات التي توافرت فيها كثير من عوامل النجاح هذا الموسم، وبالفعل فالعمل الذي قام ببطولته هشام ماجد ومصطفى غريب وأسماء جلال حصد تعليقات إيجابية، وكان حصاناً رابحاً بـ15 حلقة عرض في النصف الأول من رمضان 2025، إضافة إلى أعمال كوميدية أخرى، وإن كانت ذات خط اجتماعي بالأساس وتناقش قضايا جادة. لكن لم تغب الابتسامة عن مشاهدها، مثل "80 باكو" لهدى المفتي، و"كامل العدد" لدينا الشربيني وشريف سلامة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي المقابل توجد أعمال تعثرت بشكل ملحوظ، بل إن مساحة الإضحاك فيها كانت شحيحة للغاية، وبينها مسلسل "شهادة معاملة أطفال"، الذي عُرض على مدى 30 حلقة من إخراج سامح عبد العزيز وبطولة محمد هنيدي العائد للدراما التلفزيونية بعد غياب سبع سنوات منذ مسلسله "أرض النفاق"، وكذلك لم تلقَ عودة ثنائية إيمي سمير غانم وحسن الرداد أي صدى إيجابي في مسلسل "عقاب عندكوا". ويعتقد الناقد الفني أندرو محسن أن داء الاستسهال لا يمكن ربطه بالكوميديا فقط، فالاستهتار يعتبر من المشكلات المزمنة التي يمكن أن تصيب أي نوع درامي وتُسبب الانصراف الجماهيري.
يشير أندرو محسن إلى أن هناك ربما نوعاً من الاستعجال وعدم تحري الجودة في الكتابة أيضاً، التي هي جزء أساسي في العملية الإنتاجية. فبعيداً من ظروف الموازنة والتكلفة، فهناك بالفعل أزمة حقيقية في الكتابة وفي طريقة تناول الأفكار جعلت غالبية المسلسلات الكوميدية هذا الموسم ما بين ضعيفة ودون المستوى ومتوسطة في أفضل الأحوال، إذ يفند مستويات بعض الأعمال الفنية التي كان يُتوقع منها أن تكون أفضل حالاً في مجال الكوميديا.
تجارب خيّبت الآمال
ويواصل أندرو أنه بعيداً من "النُّص" و"أشغال شقة جداً"، باعتبارهما الأنجح جماهيرياً في رأيه هذا الموسم، على رغم بعض التحفظات على الأخير الذي اعتبره مجرد استمرار لنجاح الموسم الأول، ولم يتفوق عليه فنياً، فإن بقية مسلسلات الموسم خذلت الجمهور المنتظر. موضحاً "على سبيل المثال دوماً أكرم حسني كان اختياراً أولياً بالنسبة لمحبي الكوميديا، إذ أثبت جدارته بأفكار مختلفة قدمها من قبل في أعمال مثل (مكتوب عليا) و(بابا جه)، لكنه عاد في (الكابتن) لأجواء تحاكي (الوصية) ولكن بشكل مختلف، إذ إن طاقم الممثلين المساعدين لم يكونوا على القوة نفسها، إضافة إلى عوامل أخرى".
كذلك يرى أندرو أن دنيا سمير غانم عادت بمسلسل (عايشة الدور) الذي تناول فكرة قديمة ومستهلكة للغاية، وهو ليس سيئاً، لكنه عمل ضعيف مغاير تماماً لمستوى مسلسلها (لهفة)، وكذلك (نيللي وشريهان) الذي يُعتبر أيقونة في الكوميديا خلال السنوات الأخيرة. وعلى رغم أن عصام عمر لا يُصنف بالأساس كممثل كوميدي فقط، لكنه نجح بشكل متميز في مسلسل (بالطو)، فتوقع الجمهور بطبيعة الحال أن يعود بنفس مستوى الكوميديا في (نص الشعب اسمه محمد) من إخراج عبد العزيز النجار، الذي تحول لمجرد محاولة لصنع عمل كوميدي، لكنها تفتقر للمهارة والدقة والمجهود، إذ الاستسهال بدا وكأنه سيد الموقف. بخلاف (بالطو) للمخرج عمر المهندس، الذي تمتع بكتابة متماسكة وذكية ومبتكرة وفريق ممثلين رئيسيين ومساعدين ملائمين تماماً للشخصيات التي يؤدونها".
إعادة تدوير إفيهيات السوشيال ميديا
صعوبة الكوميديا بسبب مواهب الهواة على مواقع التواصل الاجتماعي قضية يجري تداولها بين وقت وآخر، لكن من الطبيعي أن يكون هذا تحدياً للوصول بالمحتوى الاحترافي لمستوى أكثر جودة، فلماذا يحدث العكس؟ بخاصة في موسم مهم مثل رمضان، الذي شهد صعود نجوم كثر حتى في مجال برامج الكاميرا الخفية بتنويعاتها، باعتبار أنه يتمتع بفرصة المشاهدة الأكبر.
وتعيد أستاذة الدراما والنقد أسماء يحيى الطاهر عبدالله، التي كانت لها تجارب تمثيلية قليلة، لكنها كانت مؤثرة بينها مسلسلا "طيور الشمس" و"زمن عماد الدين"، الأمر في الأساس إلى عدم إدراك الغرض من الكوميديا. مبدية تحفظات على استخدام تعبير استهانة بمعناه الصريح، لكنها تشير إلى أن أكثر الأزمات هنا هي أنه مع الوقت تحول الهدف الأساسي للكوميديا إلى الإضحاك فقط لا غير، لكن لماذا وكيف وعلى أي شيء فكثيرون لا يهتمون بهذه الأسئلة، إذ ترى أن قول النكتة بأي طريقة من دون معرفة أثرها والاعتماد على الإيفيه الوقتي في حد ذاته من دون أية أبعاد يعبر عن عدم الوعي بقيمة هذا الفن.
وتواصل، "الضحك في حد ذاته شيء أساسي ومهم، لكن يجب أن تكون وراءه رؤية تتحقق بسيناريو جيد وليس مجرد تقليد لميمز وكوميكس مواقع التواصل الاجتماعي، فحتى لو حقق العمل انتشاراً في حينها، لكن مع الوقت سيتبخر ولن يبقى".
وتدلل عبدالله بأعمال كثيرة حققت الشهرة وقت عرضها بالارتجال وتسابق أصحابها في إلقاء الإفيهيات، لكن الدراما الباقية هي التي اعتمدت على البناء المدروس في كوميديا الموقف، ضاربة المثل بأعمال حديثة مثل "البيت بيتي" و"الوصية"، مؤكدة أن الكوميديا تسخر من الأحوال وفي بعض الأوقات تكون سخرية موجعة مثل أعمال عادل إمام، ومن ضمن التفسيرات التي تضعها الممثلة والأستاذة الجامعية لهذا التراجع، واللجوء إلى الطرق السهلة، هو "الرغبة في عدم الدخول في مناوشات مع جهاز الرقابة أو مع بعض فئات المجتمع أيضاً، وكذلك تحقيق الربح المادي بأقل قدر ممكن من الجدل".
وتختتم أسماء يحيى الطاهر عبدالله حديثها بالقول، "السخرية من أي أمر تقلل مباشرة من قدسيته، خصوصاً إذا كان الأمر متعلقاً بموضوعات سياسية أو عادات اجتماعية أو خطاب ديني لتوضيح التناقضات في رؤيتها، أو حتى شخصيات بعينها، لإظهار النفاق في خطابهم على سبيل المثال، فتنتقل هذه العناصر على الفور من خانة التقدير وربما التقديس إلى خانة أخرى وتتحول لشيء ليس مسلماً به".