نحو وعي سياسي جديد في سوريا لمفهوم السلطة والدولة 

من أخطر ما ورثناه من عهد الأسد المخلوع هو الخلط بين الدولة والسلطة. هذا الخلط يجعل انتقاد السلطة بوصفه عداءً للوطن، ومعارضة الحكومة تهديداً للدولة، حتى أصبح الولاء لسوريا بنظر البعض يُقاس بمقدار الولاء للسلطة القائمة، لا بمقدار الالتزام بالقانون أو المصلحة العامة.

وقد ظهر في النقاشات السورية خلال الآونة الأخيرة خلطٌ مقلق بين الدولة والسلطة، وبين نقد أداء الحكومة أو مسؤول بعينه وبين استهداف الدولة نفسها. الأخطر أن بعض هذا الخطاب يذهب أبعد من ذلك، فيعتبر أن انتقاد الحكومة أو سياساتها هو استهداف لها على خلفية دينية، في محاولة لإضفاء طابع ديني عليها لتحصينها من النقد والمساءلة.

هذا النوع من الخطاب يعيد إنتاج ما كان سائداً في حقبة الأسد والبعث: تحويل السلطة إلى وطن، وتحويل الحاكم إلى دولة، وتحويل أي نقد إلى خيانة. بينما الحقيقة بسيطة وواضحة: الدولة شيء، والسلطة شيء آخر. الدولة إطار عام يعيش فيه الجميع، أما السلطة فهي إدارة مؤقتة لهذا الإطار، قابلة للتغيير والمحاسبة والنقد.

أتذكر في هذا السياق واقعة شخصية حدثت معي عام 2007، عندما استُدعيت إلى فرع المنطقة بسبب مقالة كتبتها في صحيفة “النهار” اللبنانية. سألني الضابط يومها، بنبرة اتهام: “لماذا تكتب في صحيفة معادية لسوريا؟” أجبته بأن الصحيفة معارضة للنظام، لكنها ليست معادية لسوريا أو لشعبها، وأن هناك فرقاً واضحاً بين معارضة النظام والعداء للدولة.

سألني: وشو الفرق؟ قلت له: الفرق كبير. الدولة دائمة، والسلطة زائلة. الرئيس يتغير، والحكومات تتغير، أما الدولة فتبقى.. نظر إليّ باستغراب وقال: من يعادي الرئيس أو نظام الحكم فإنه يعادي الدولة!.

كان جوابه تلخيصاً دقيقاً لعقيدة سياسية حكمت البلاد لعقود: النظام هو الدولة، والدولة هي النظام، ومن يعارض السلطة يعارض الوطن. لم يكن ذلك الخلط مجرد خطأ في التعبير، بل كان أساساً لنمط كامل من الحكم. فقد جرى التعامل مع مؤسسات الدولة، كالجيش والقضاء والحكومة والإدارة العامة، باعتبارها ملكاً للسلطة أو للحاكم، لا مؤسسات عامة يملكها المجتمع وتعمل لخدمة المواطنين. وتحولت الدولة، في الوعي الرسمي والممارسة السياسية، من إطار جامع لجميع السوريين إلى أداة لحماية السلطة والدفاع عنها.

لكن الدولة ليست الحكومة، والرئيس ليس الوطن. الدولة كيان مؤسساتي وقانوني دائم، يقوم على شعب وإقليم ومؤسسات وقواعد دستورية. أما السلطة فهي الجهة التي تتولى، لفترة محددة، إدارة شؤون الدولة. ولذلك فإن تغيير الحكومة أو الرئيس لا يعني سقوط الدولة، كما أن انتقاد السلطة لا يعني بالضرورة معاداة الوطن.

ومن حق أي مواطن أن ينتقد أداء الرئيس والحكومة وأي مسؤول فيها، وأن يعترض على القرارات والسياسات العامة، وأن يطالب بالشفافية والمحاسبة. هذا الحق يعتبر شرطا أساسياً لقيام الدولة الحديثة. فالسلطة التي لا تُراقَب تفسد، والمؤسسات التي لا تُساءَل تتحول إلى أدوات مغلقة، والمجتمع الذي يُمنع من النقد يفقد قدرته على تصحيح الأخطاء.

وينطبق الأمر نفسه على السياسات التي يراها جمهور السلطة أو مؤيدوها ذات طابع ديني. فمن حق أي مواطن أن يناقش هذه السياسات، وأن ينتقد أثرها في الحقوق والحريات والمساواة بين المواطنين. ولا يعني ذلك، بأي حال، أنه يعادي الإسلام أو المسلمين. فهناك فرق بين نقد سياسة تتبناها السلطة أو يدافع عنها جمهورها، وبين الإساءة إلى دين أو جماعة دينية. كما أن احترام الإسلام لا يعني منح الحكومة حصانة من النقد، ولا تحويل المرجعية الدينية لدى بعض مؤيديها إلى وسيلة لمنع المساءلة أو تقييد الحريات.

إن حماية الدين لا تكون بإسكات المواطنين، وحماية الدولة لا تكون بتحصين المسؤولين من النقد. الدولة القوية هي التي تسمح بالنقاش والاختلاف، وتضمن حرية التعبير، وتحمي المعتقدات والحقوق في آن واحد. أما ربط الدين بالسلطة، أو السلطة بالدولة، فيؤدي إلى جعل معارضة الحكومة تبدو وكأنها معارضة للدين أو للوطن، وهو ما يعيد إنتاج منطق الوصاية والخوف.

لقد مات حافظ الأسد، ثم سقط نظام بشار الأسد وبقيت سوريا وشعبها. وستتغير الحكومات والرؤساء، وستبقى الدولة والمجتمع. لذلك فإن التغيير الحقيقي في سوريا لا ينبغي أن يقتصر على تبديل الأشخاص، بل يجب أن يشمل تغيير العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين المواطن والدولة.

المعيار ليس هوية الحاكم ولا مرجعيته، بل سيادة القانون، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، والمساواة بين المواطنين، واحترام الحقوق والحريات. فإذا بقي نقد الحاكم يُعد نقداً للدولة، وبقي نقد السياسة الدينية يُعد عداءً للدين، فإن السلطة الجديدة، مهما اختلفت شعاراتها، ستعيد إنتاج عقلية الماضي.

الدولة ليست السلطة، والوطن ليس الحاكم، والدين ليس حصانة سياسية. هذا التمييز يشكل أساس الوعي السياسي الذي تحتاجه سوريا اليوم لبناء دولة يتساوى فيها المواطنون، ويخضع فيها الحاكم للقانون قبل المحكوم.

أعلن في شمرا