تشير أبحاث في علوم الاتصال إلى أن تكرار التعرض لنوع معين من المحتوى يزيد احتمال تبني أفكاره مع الوقت، حتى لو بدا في البداية مجرد اقتراح عابر.

يحدث الأمر أحياناً بشكل يكاد يكون غير ملحوظ، تبحث مرة عن كتاب معين، أو تتوقف لبضع ثوانٍ أمام مقطع موسيقي يعجبك، ثم تمضي في يومك كأن شيئاً لم يكن. لكن الشبكة العنكبوتية لا تنسى. بعد ساعات، أو حتى ربما دقائق، تبدأ الخيوط في الظهور، اقتراحات لكتب تشبه ما بحثت عنه، قوائم موسيقية مبنية على ذوقك، إعلانات لمنتجات لم تفكر أصلاً في شرائها.

ففي البداية يخال لك أن الأمر جيد، بل مدهش قليلاً؛ كأن العالم الرقمي يقرأ أفكارك قبل أن تنطق بها. لكن مع الوقت يتسلل شعور آخر أكثر غموضاً، ماذا لو كان هذا العالم لا يكتشفك، بل يعيدك باستمرار إلى النسخة نفسها منك؟ ماذا لو كانت الخيارات التي تظهر أمامك ليست نافذة على ما لا تعرفه بل مرآة لما فعلته من قبل؟

ما يحدث خلف الشاشة ليس سحراً تقنياً موصوفاً بقدر ما هو نظام دقيق من الحسابات الصغيرة. تراقب الخوارزميات التي تدير منصات الإنترنت إشارات تبدو عابرة: ما نبحث عنه، ما نضغط عليه، كم ثانية أو جزء من الثانية نتوقف عند صورة أو فيديو، وما نشتريه لاحقاً. تتحول هذه التفاصيل إلى خريطة رقمية لاهتماماتنا، تستخدمها المنصات لتوقع ما قد نرغب في رؤيته بعد ذلك. مع مرور الوقت، لا يعود الإنترنت مساحة واحدة يشترك فيها الجميع، بل يتحول إلى آلاف النسخ المختلفة، نسخة مصممة لكل مستخدم على حدة.

هذه الفكرة ليست مجرد انطباع شخصي، ففي عام 2011 لفت الناشط والباحث في شؤون الإنترنت إيلي بارايزر الانتباه إلى هذه الظاهرة في كتابه "فقاعة الفلتر"، حيث وصف الإنترنت المخصص بأنه نظام معلوماتي فريد لكل شخص، تبنيه الخوارزميات بناء على ما تعتقد أننا نفضله. ونتيجة لذلك قد يجد مستخدمان يبحثان عن الكلمة نفسها نتائج مختلفة تماماً، لأن الخوارزمية تقرأ خلفية كل منهما الرقمية بشكل مختلف.

الفكرة الأساسية هنا بسيطة لكنها عميقة: التخصيص يجعل الإنترنت أكثر راحة وسلاسة، لكنه في الوقت نفسه يغير طبيعة التجربة الرقمية نفسها. فبدل أن يكون فضاء مفتوحاً تتدفق فيه المعلومات بلا ترتيب مسبق، يصبح مساحة مصممة بعناية حول ما نعرفه ونحبه بالفعل. ومع كل نقرة جديدة، تصبح هذه النسخة المخصصة أكثر دقة وأكثر ضيقاً في الوقت نفسه.

لكن الراحة التي تصنعها الخوارزميات ليست بريئة تماماً، فمع الوقت، قد يتحول هذا التخصيص إلى ما يشبه جداراً غير مرئي. "فقاعة الترشيح" هذه هي مساحة رقمية يعيش فيها المستخدم محاطاً بمحتوى يشبهه ويوافق ميوله، لأن الخوارزميات تعلمت أن ذلك هو ما يبقيه متفاعلاً. ما يحدث هنا ليس إخفاء متعمداً للمعلومات بقدر ما هو نتيجة طبيعية لمنطق المنصات نفسها، تقديم ما ترجح أننا نحبه، لا ما قد يفاجئنا.

algorithms.jpg

بمرور الوقت، تصبح هذه الفقاعة أكثر إحكاماً. فالموسيقى التي يجري اقتراحها علينا تشبه ما استمعنا إليه من قبل، والأفلام التي تظهر في قوائم التوصيات قريبة من تلك التي شاهدناها سابقاً، وحتى الأخبار التي تصلنا غالباً ما تتوافق مع آرائنا وتوجهاتنا السياسية أو الدينية. وتشير دراسات في علوم الإعلام الرقمي من بينها بحث أجرته جامعة ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حول سلوك المستخدمين على المنصات الرقمية، إلى أن أنظمة التوصية تميل بطبيعتها إلى تعزيز هذا النمط المتكرر من الاختيارات، لأن التشابه يزيد احتمالات التفاعل. وهكذا، بدل أن يفتح الإنترنت أبواباً جديدة، قد نجد أنفسنا ندور في دائرة من التوقعات المألوفة، إذ يتكرر ما نعرفه أكثر مما يظهر ما لا نعرفه.

ليست العلاقة بيننا وبين الخوارزميات طريقاً ذا اتجاه واحد، صحيح أننا نستخدم المنصات لنبحث ونختار ونضغط على ما يثير اهتمامنا، لكن هذه الأفعال الصغيرة لا تختفي بعد انقضاء لحظتها؛ إنها تتحول إلى مادة تتعلم منها الخوارزميات. وهكذا تتشكل حلقة هادئة لكنها مستمرة، اختياراتنا تغذي الخوارزميات، والخوارزميات تعيد بدورها توجيه اختياراتنا.

تثير هذه الدائرة سؤالاً يتجاوز التقنية نفسها: إلى أي حد تبقى اختياراتنا حرة عندما تكون البيئة التي نختار منها مصممة مسبقاً؟. يشير باحثون في الإعلام الرقمي إلى أن أنظمة التوصية لا تكتفي بعكس اهتمامات المستخدمين، بل قد تسهم تدريجاً في تشكيلها. ففي دراسة أجراها علماء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2018 حول انتشار المعلومات على الإنترنت، تبين أن خوارزميات المنصات تلعب دوراً مهماً في تحديد سرعة انتشار بعض الأخبار أو الأفكار مقارنة بغيرها، لأن ما يظهر أكثر هو ما تعاد مشاركته أكثر.

وتشير أبحاث أخرى في علوم الاتصال إلى أن تكرار التعرض لنوع معين من المحتوى يزيد احتمال تبني أفكاره مع الوقت، حتى لو بدا في البداية مجرد اقتراح عابر. المفارقة هنا لافتة، نظن أننا نتنقل بحرية في فضاء رقمي مفتوح، بينما قد نكون في الواقع نتحرك داخل مسار يتشكل تدريجاً من اختياراتنا السابقة نفسها.

على رغم كل ما سبق، ليس من الصعب فهم لماذا نحب الخوارزميات ونثق بها. فهي في النهاية تقدم لنا شيئاً تقدره أدمغتنا البشرية كثيراً: الراحة. بدل أن نغرق في بحر هائل من المعلومات، تقوم الأنظمة الرقمية بترتيب العالم لنا مسبقاً. الفيلم التالي جاهز، الأغنية التالية مقترحة، والمنتج الذي قد نحتاجه يظهر أمامنا قبل أن نبحث عنه. كل شيء يبدو كأن الإنترنت يعرفنا جيداً، أو في الأقل يحاول فعل ذلك. ومع الوقت يتشكل شعور مريح بأن هذا الفضاء الرقمي صُمِّم بطريقة ما ليتناسب معنا نحن تحديداً، لا مع ملايين المستخدمين الآخرين.

ليس هذا الميل إلى تفضيل ما يشبهنا اختراعاً تقنياً في الأصل، ففي علم النفس المعرفي يوصف ما يحدث باسم "الانحياز التأكيدي"، وهو ميل الإنسان الطبيعي إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد قناعاته وتجنب ما يناقضها. وقد تناول علماء النفس هذه الظاهرة منذ ستينيات القرن الماضي في تجارب كلاسيكية لـ بيتر واسون، ثم توسعت دراسات لاحقة في علم النفس الاجتماعي لتوضح أن الناس يشعرون براحة أكبر حين يواجهون أفكاراً مألوفة ومتوافقة مع تصوراتهم السابقة. ما تفعله الخوارزميات ببساطة هو تضخيم هذا الميل البشري القديم: فهي لا تخلق الانحياز، بل تمنحه سرعة وانتشاراً لم يكن ممكناً في أي زمن سابق.

ليس الخطر الحقيقي هنا أن الخوارزميات تعرفنا جيداً وكأنها جاسوس مخصص لتتبعنا نحن فقط، بل أنها تعرفنا من خلال ماضينا فقط. فهي تبني توقعاتها على ما شاهدناه من قبل، وما اشتريناه، وما توقفنا عنده لثوانٍ أطول من غيره. لهذا تبدو الاقتراحات التي تحيط بنا مألوفة إلى هذا الحد: منصة مثل "نتفليكس" تقترح أفلاماً قريبة مما شاهدناه، و"سبوتيفاي" تبني قوائم موسيقية على الأغاني التي استمعنا إليها سابقاً، و"أمازون" تعرض منتجات تشبه ما اشتريناه، بينما تمتلئ صفحة "تيك توك" بمقاطع قريبة من تلك التي توقفنا عندها يوماً. الرسالة الضمنية في كل هذه الأنظمة بسيطة ومقنعة في آن واحد: إذا أحببت هذا… فمن المرجح أنك ستحب شيئاً يشبهه.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن المفارقة تظهر حين نتذكر أن المستقبل لا يُبنى دائماً على التشابه، بل على المفاجأة. كثير من الاكتشافات الشخصية - كتاب يغير طريقة تفكيرنا، موسيقى لم نتوقع أن تعجبنا، فكرة جديدة تماماً - تأتي غالباً من الصدفة وليس من التوقع. في كتابه عن ثقافة الابتكار يشير الكاتب ستيفن جونسون إلى أن الاكتشافات الجديدة كثيراً ما تولد من الاحتكاك غير المتوقع بالأفكار المختلفة، لا من تكرار ما نعرفه مسبقاً. وإذا كان الأمر كذلك، فإن دقة الخوارزميات قد تحمل مفارقة خفية: فكلما صارت أفضل في توقع ما نريده، قد تصبح حياتنا الرقمية أقل قدرة على مفاجأتنا.

ويكون الأمر أكثر حساسية حين يمتد هذا المنطق إلى المجال الاجتماعي والفكري. فحين يرى كل شخص عالماً رقمياً يشبهه فقط، تتراجع فرصة الاحتكاك الطبيعي بالاختلاف. شيئاً فشيئاً قد يتحول الغريب إلى مصدر ريبة، والرأي المختلف إلى شيء يثير النفور. يشبه ذلك، على نحو ما، خوف الإنسان القديم من أولئك الذين يعيشون على الضفة الأخرى من النهر أو خلف الجبل البعيد: عالم مجهول ينظر إليه بحذر وربما بعدائية. المفارقة أننا نعيش اليوم في أكثر العصور انفتاحاً في تاريخ البشرية، حيث يمكن لأي شخص أن يصل إلى ثقافات وأفكار من أنحاء العالم في لحظة واحدة، ومع ذلك قد تجعلنا الفقاعات الرقمية نشعر أحياناً بأن العالم أصغر وأكثر انغلاقاً مما هو عليه في الواقع.

هل تساعدنا معرفة الإنترنت الجيدة بنا على فهم أنفسنا فعلاً، أم أنها تعيدنا باستمرار إلى النسخة التي كناها بالأمس؟... الخوارزميات، في جوهرها، مرايا نقية لخياراتنا السابقة، وهي قادرة على عكس أذواقنا وعاداتنا بدرجة مذهلة من الدقة. لكن المرايا، مهما كانت صافية، لا تُظهر إلا ما يقف أمامها. والمستقبل بطبيعته شيء مختلف؛ إنه ما لم نره بعد، وما لم نجربه، وما لم نتوقعه أصلاً.

وهنا يظهر السؤال الذي يظل معلقاً في نهاية الحكاية: إذا كان المستقبل يعني اكتشاف ما لم نعرفه بعد، فهل يمكن لنظام يعتمد على الماضي أن يقودنا إليه؟ ربما، بعد قراءة هذه المادة، ستقترح عليكم الخوارزميات مقالاً آخر يجيب على السؤال!.

هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
هل من عداوة قائمة بين الخوارزميات والمستقبل؟
أعلن في شمرا