اندفاعة استثمارية هائلة في الذكاء الاصطناعي تقودها شركات التكنولوجيا الأميركية وسط تفاؤل الأسواق، لكنها تنذر بتكاليف بشرية جسيمة ومخاطر فقاعة قد تعصف بالاقتصاد العالمي. وبين وعود العوائد المذهلة وذكريات فقاعة "دوت كوم"، يتسع القلق من مقامرة تاريخية قد يكون ثمنها أفدح مما يحتمله العالم.
نحن أمام مشهد يدعو إلى الحيرة فعلاً. اختتمت السوق الأميركية عام 2025 عند أعلى مستوى لها، إذ سجل مؤشر "ستاندارد أند بورز" S&P 500 مكاسب من خانتين للعام الثالث على التوالي. وسرعان ما انتقلت عدوى الثقة هذه إلى الأسواق العالمية الأخرى، وإن بدرجة أقل حدة. واليوم، يبدو أن التفاؤل يغمر المستثمرين وهم يستقبلون عام 2026، مدفوعين بأرباح قوية حققتها الشركات، وإيمان راسخ بأن الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ستدر عوائد مذهلة.
معذرةً لإفساد أجواء الاحتفال، لكن وبينما تضج العناوين الرئيسة ببشائر الرخاء والازدهار، تسجل تقارير أخرى قراءة مغايرة تماماً، مستعرضة توقعات محللي "مورغان ستانلي" Morgan Stanley التي تنذر بأن الذكاء الاصطناعي سيتسبب في شطب 200 ألف وظيفة ضمن القطاع المصرفي الأوروبي بحلول عام 2030. وسيكون الجزء الأكبر من هذا الضرر من نصيب وظائف "المكاتب الخلفية والوسطى"، أي الأقسام الإدارية والتشغيلية المعنية بالعمليات الداخلية التي لا تتعامل مباشرة مع العملاء.
بطبيعة الحال، ربما يرى بعضم في ذلك ضريبة لا بد منها، انطلاقاً من قناعة مفادها بأن الذكاء الاصطناعي أداة لخفض النفقات (التي تتمثل هنا في الكادر البشري) وزيادة الأرباح. ولكن لا يفوتنا أننا نتحدث عن قطاع واحد في بقعة جغرافية واحدة، فإذا ما نظرنا إلى العالم بأسره، وعلى امتداد القطاع المصرفي وسائر الصناعات، فسنجد أن الكلفة البشرية المتمثلة في فقدان الوظائف ستتجاوز هذا الرقم بأضعاف مضاعفة.
ومع ذلك، فإن القوى الاستثمارية التي ضخت أموالها في هذه التكنولوجيا الجديدة سترحب بهذه النتائج بلا شك، وسترى فيها الغرض الأساس من تصميم الذكاء الاصطناعي أصلاً، غير أن المعاناة الناجمة عن ذلك، بأبعادها المادية والاجتماعية والصحية، ستكون جسيمة، وستوجه ضربة موجعة للاقتصادات والأسواق على حد سواء.
وإن لم يكُن ذلك كله كافياً للاستنفار، فثمة هاجس آخر أكثر إلحاحاً يستدعي التوقف عنده، إذ يُخشى من تبخر الاستثمارات الضخمة الموظفة في الذكاء الاصطناعي، أو أن يثبت هذا التهافت التكنولوجي المحموم أنه مجرد فقاعة عابرة، ستنفجر عاجلاً أم آجلاً شأن فقاعات كثيرة أخرى شهدها التاريخ. وبينما يرى أصحاب النظرة التفاؤلية أن هذه السيولة أنفقت في مكانها الصحيح، تبرز في المقابل جبهة أخرى تتبنى وجهة نظر مغايرة تماماً.
وفي صدارة المعسكر المتفائل يقف مارك زوكربيرغ بكل ثقله، فعند إعلانه عن أرباح شركته في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كشف رئيس "ميتا" النقاب عن طموحات قد ترفع إنفاق الشركة على مشاريع الذكاء الاصطناعي ليتخطى حاجز الـ100 مليار دولار بحلول عام 2026. وللمقارنة، بعد أن بلغت نفقات الشركة الرأسمالية 35 مليار دولار قبل عامين، قفزت إلى 70 ملياراً العام الماضي. واليوم، يضع زوكربيرغ كل ثقله في الرهان على الذكاء الاصطناعي، في اندفاعة لم يسبق لها مثيل. ربما ينتهي هذا الرهان بفوز ساحق أو خسارة فادحة، ولكنه في الحالتين كلتيهما سيفضي إلى نتيجة مدوية.
عموماً، لا يغرد زوكربيرغ وحيداً. فخلال الأشهر الـ12 الماضية، ضخت شركات التكنولوجيا الأميركية نحو 350 مليار دولار في تشييد البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ومرة أخرى، نجد أنفسنا أمام مشهد يقتصر على دولة واحدة وقطاع تجاري واحد، لكننا هنا إزاء أمة وبقعة جغرافية فريدة هي "وادي السيليكون"، سخرت مقدراتها بالكامل للارتقاء بهذا المجال على حساب كل شيء آخر تقريباً، وبحجم استثمارات جعل إنفاق بقية الدول يبدو متواضعاً أمامها (مثلاً لا يتجاوز إنفاق الصين على الذكاء الاصطناعي 100 مليار دولار).
وتمثل الولايات المتحدة اليوم صورة مكبرة لزوكربيرغ، إذ تخوض مقامرة كبرى، وتراهن بكل ثقلها ومستقبلها على نجاح الذكاء الاصطناعي. أما نحن على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، فربما نقف، كعادتنا، مشدوهين أمام هذه القوة المالية الضاربة، ولكن علينا ألا ننسى أننا، في الغالب، لا نلبث أن نحذو حذو أميركا. وفي حالة الذكاء الاصطناعي، لن نجد مجالاً للفرار، فلا فكاك من قبضة عمالقة التكنولوجيا ونفوذ مديريها المتشبعين بثقافة ذكورية استعراضية.
وكي ندرك أبعاد المنزلق الذي ربما ننساق إليه، يجدر بنا استحضار آخر مشهد لانفجار فقاعة مالية التي، للمفارقة، كانت تكنولوجية بامتياز أيضاً (ومن المثير للسخرية حقاً كيف طوى النسيان تلك الأحداث، أو لعل "أباطرة التكنولوجيا" الجدد أسقطوها من حساباتهم تماماً). فعام 2000، عصفت أزمة "دوت كوم" أو فقاعة تكنولوجيا المعلومات بأسهم الإنترنت، وتبخرت معها 1.755 تريليون دولار في لحظات، حتى إن النزف لم يتوقف عند هذا الحد، إذ تضافرت الفضائح المؤسسية اللاحقة، وعلى رأسها شركة الطاقة الأميركية "إنرون" Enron، مع تداعيات هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول)، لتدفع الأسواق نحو هاوية كبدتها مع نهاية عام 2002 خسائر إجمالية بلغت 5 تريليونات دولار. يومذاك، انهارت مئات الشركات عالمياً، وخسر عشرات الآلاف وظائفهم.
صحيح أنه لم يمضِ زمن بعيد على تلك الأحداث، ولكن تبدو كارثة "دوت كوم" اليوم متواضعة أمام ما قد يتكشف من أهوال إذا ما سار الذكاء الاصطناعي على النهج ذاته. فمهما بلغت ضخامة الأرقام حينذاك، تبقى لا تقارن بحجم الانهيار الشامل الذي ربما يضرب الأسواق اليوم.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولهذا السبب تحديداً، تتسع دائرة المعسكر المتشائم لتشمل عدداً متنامياً من محافظي المصارف المركزية والجهات التنظيمية والمشككين في جدوى الذكاء الاصطناعي، إذ يعتريهم القلق من أن يتحول هذا التهافت الأعمى إلى الاندفاعة الجماعية الأكبر والأكثر تهوراً التي يشهدها التاريخ.
في الحقيقة، إن حجم الانكشاف المالي الذي نواجهه والعالم أجمع، يبعث على الرعب، إذ تبلغ القيمة السوقية لشركة "إنفيديا"Nvidia وحدها، علماً أنها شركة عملاقة متخصصة في المعالجات المشغلة لمراكز البيانات الحيوية، نحو 4.6 تريليون دولار. وتندرج الشركة الأميركية ضمن وحوش التكنولوجيا "السبعة العظماء" Magnificent Seven، إلى جانب "ألفابت" Alphabet و"أمازون" Amazon و"ميتا" Meta و"تيسلا" Tesla و"أبل" Apple و"مايكروسوفت" Microsoft التي تستأثر مجتمعة بـ36 في المئة من إجمال وزن مؤشر "أس أند بي 500". ولما كان هذا المؤشر الأميركي يعكس أكثر من 60 في المئة من قيمة الأسهم العالمية، يتبدى أمامنا قاع الدرك الذي ربما نبلغه.
ويرى بعض المتفائلين أن الخسائر، إن وقعت، ستكون قابلة للتحمل، على اعتبار أن العالم اليوم أشد صلابة مما كان عليه عام 2000، وأن الثروات صارت أكثر انتشاراً. وفي هذا السياق، يقر سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن أي آي" OpenAI، بأن بعضهم سيتكبد "خسائر فادحة واستثنائية"، ويشاطره هذا الرأي مؤسس "أمازون" جيف بيزوس.
ويأبى المتفائلون بالذكاء الاصطناعي إلا أن يروا في هذا المشهد "فقاعة حميدة"، إذ يجزم بيزوس بأن الذكاء الاصطناعي، أياً كانت مآلاته، سيفيض بـ"منافع جمة" على المجتمع. ربما يصدق توقعه، ولكنه، أقله، يتحصن في معقل يقيه تداعيات أي انهيار. أما السواد الأعظم منا فليسوا بمثل هذه الحظوة. لذا، كان حرياً بصوت العقل والحكمة أن يسود، ولكن يبدو أن القطار قد فات. فلا بوادر للتروي تلوح في الأفق، وما جموح زوكربيرغ إلا برهان ساطع على ذلك. وللأسف، لم يبقَ أمامنا سوى الترقب والرجاء.
© The Independent