يتعاظم يوماً بعد يوم دور السيدة الأولى في المناخ العام، ولكن الدراما الأميركية تبدو الأكثر اهتماماً بهذا المنصب غير المنتخب والذي لم يكن قديماً ينظر إلى تأثيراته باهتمام كبير، إذ دأبت المؤسسات على محاولة تأطير حياة السيدات الأُول التاريخيات والمعاصرات في أعمال غلب على كثير منها الطابع الترويجي، وقليل منها تحلى بالموضوعية ومحاولة الإنصاف

في فترة من الفترات كانت السيدة الأولى مجرد ظل للحكم، تلك المرأة غير المنتخبة التي تقتصر سمعتها والأخبار المتداولة حولها على ماذا ارتدت وكيف صففت شعرها، وطريقة مشيتها وأسلوبها في الحديث والالتفات. لكن، تدريجياً أصبحت عنصراً مهماً للغاية لتحسين الصورة أو تبرير القرارات، بل وتمرير بعض السياسات، بل إن هناك من السيدات الأوائل من حصدن إعجاباً وتأثيراً واحتراماً يوازي أو قد يفوق ما حصده الأزواج الذين يجلسون على كرسي السلطة، لتنقل هذه الزوجة من خانة ربة المنزل التي تسكن جناحاً فاخراً في قصر إلى مصاف الشخصيات الفاعلات بجدارة في المشهد السياسي.

الدراما الحياتية لهؤلاء النساء، سواء كنّ فاعلات بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الحكم مغرية للتناول الفني، إذ فازت مادونا على سبيل المثال بجائزة "غولدن غلوب" لتقديمها شخصية إيفا بيرون، سيدة الأرجنتين الأولى خلال أربعينيات القرن الماضي، من خلال فيلم "إيفيتا" الذي حظى بمراجعات متباينة حول ما إذا كان منصفاً لصاحبته أم لا، إذ أظهرتها الأحداث متسلقة تسعى إلى الترقي الطبقي، وكذلك امرأة تكرّس حياتها للفقراء وتهتم بالعدالة.

d4dd7780-683e-452d-b864-01799b3abed9.jpg

إلا أن الأعمال الكبيرة التي اهتمت بسرد سيرة زوجات الرؤساء تمحورت غالبيتها حول النساء الأوائل في الولايات المتحدة الأميركية، إذ شكّلت حياة الساكنات في الجناح الشرقي بالبيت الأبيض مادة دسمة للأفلام والمسلسلات والأعمال والوثائقية أيضاً.

كانت الإدارة الأميركية تلجأ في الحياة الواقعية إلى كارت السيدة الأولى للضرورة، بخاصة حينما يتأزم الموقف، فتخرج للعامة كوجه لم تفسده السياسة ويمكنه أن يبرر أو يهدئ الأجواء، وحينما أصبحت كياناً مستقلاً يدعم الرئيس المنتخب مع الاحتفاظ بالصوت الشخصي والمتفرد، باتت مساحة اللعب أكبر، ومن هنا حضرت الدراما بقوة وكذلك حلقات التوثيق التي كان بعضها موضوعياً ينتصر لسرد اللحظة التاريخية كما وقعت، وبعضها جاء ترويجياً ودعائياً بحتاً حتى لو ظهر بعناوين براقة تتحدث عن الشفافية وعرض الحقائق كما هي، وربما يكون فيلم "ميلانيا" أحدث الأعمال الوثائقية بهذا الصدد حين قُوبل بتحفظ شديد، نظراً إلى كونه خرج من تحت يدي ميلانيا ترمب باعتبارها منتجته التنفيذية ونجمته الأولى، وأشرف عليه فريقها هي وجرت مراجعته من قبل البيت الأبيض عشرات المرات، ولهذا يفقد الفيلم أولى نقاط قوته وهي الاستقلالية.

وربما أجابت بعض المراجعات النقدية حول الفيلم الذي يقع في 144 دقيقة عن بعض الأسئلة المتعلقة بأسباب إنتاج أعمال حول سير السيدات الأوائل، وقد تحفظت صحيفة "غارديان" على الفيلم الوثائقي باهظ الموازنة كونه استعراضاً لبذخ وأناقة ميلانيا عارضة الأزياء السلوفانية، بينما يتلخص دوره في هذا التوقيت بالذات على قيام السيدة الأولى بتشتيت الانتباه بينما زوجها يفكك دستور الولايات المتحدة ويعبث بمقدرات الحكومة الفيدرالية.

2026-01-26T204346Z_192962125_RC279JAZ70L6_RTRMADP_3_USA-TRUMP-MOVIE.JPG

وتصف الصحيفة ميلانيا المزهوة التي تتحرك مع حاشيتها للوقوف على تحضيرات حفل تنصيب ترمب الثاني كتحفة باردة وآلة خاملة بلا روح، فيما بدا حضور ترمب ثانوياً حين يظهر فقط بالتباهي بفوزه، إذ تدور الأحداث قبيل نحو ثلاثة أسابيع من حفل التنصيب الثاني.

ويوصف الفيلم الذي استحوذت عليه "أمازون" بأنه أغلى وثائقي على الإطلاق بكلفة وصلت إلى 75 مليون دولار، فيما إيراداته لم تصل إلى هذا الرقم حتى الآن، وبدا كله كمحاولة لتجميل سياسة ترمب، وعلى رغم ذلك لا يزال عملاق التجارة الإلكترونية العالمي يدافع عن الفيلم، فيما يسود في الأوساط النقدية رأي متكرر بأن هذا الفيلم المروع أنفقت عليه "أمازون" أموالاً طائلة فقط من أجل مجاملة الرئيس الأميركي وكسب وده.

على الفور انعقدت المقارنات بين وثائقي ميلانيا ووثائقي "أصبحت" (Becoming) الذي تناول سيرة ميشيل أوباما وعرضته" نتفليكس" عام 2020 ولم تتجاوز مدته الساعة ونصف، وهو مستند بصورة خاصة إلى مذكرات السيدة الأولى السابقة التي حملت الاسم نفسه، وعلى رغم أن كلا العملين تحكي فيهما كل سيدة حكايتها بنفسها، لكن فيلم ميشيل ونظراً إلى كونه استعرضاً لمساحة حياتية أكبر، فقد كانت هناك فرصة لاكتشاف الشخصية من جوانب عدة، ووصف بأنه أكثر عمقاً وإلهاماً حتى لو حمل بعض الدعائية، إلا أنها وفقاً للنقاد لا تقارن بدعائية ميلانيا ترمب لإدارة زوجها الرئيس الجمهوري وقراراته المثيرة للجدل، كما أن هناك فارقاً جوهرياً بين الموقفين، وهو أن ميشيل انتظرت حتى إتمام تجربتها في البيت الأبيض بالكامل زوجة لأول رئيس ملون، لاستبعاد أي تشكيك في الأهداف والنيات، بينما ميلانيا سارعت إلى عرض فيلمها بعد عام واحد فقط من تولي زوجها المنصب للمرة الثانية، إذ بدأ عرض الفيلم تجارياً في الـ 30 من يناير (كانون الثاني) الماضي.

الإدارة الديمقراطية في عصر أوباما بدأت بطموح كبير انعكس على أفكار وأجندة ميشيل الحائزة على الدكتوراه في القانون، والمهتمة بقضايا مثل حقوق النساء والتعليم والصحة وحقوق الأقليات، وكذلك حمل الفيلم رسائل خاصة عن النشأة المتواضعة والإلهام وضرورة التفاعل مع الفئات المختلفة في كل مدن الولايات المتحدة، وعدم الاكتفاء بالنظر من وراء الزجاج، إذ حرص الفيلم على توثيق التجربة الإنسانية وجاءت السياسة في المرتبة الثانية.

c483da48-cb96-4a4f-8f8d-02f7ed51ca19.jpg

وفي العام نفسه عرضت منصة "هولو" وثائقياً آخر بعنوان "هيلاري" عن مسيرة هيلاري كلينتون كشخصية مزدوجة، فهي سيدة أولى لفترتين متتاليتين تخللتهما فضيحة جنسية شهيرة لزوجها، وكذلك كانت رئيسة محتملة، إذ نافست دونالد ترمب عام 2016 على إدارة البيت الأبيض وخرجت بخسارة فادحة، وقد اعتبر وثائقي "هيلاري" الواقع في أربع حلقات محاولات لفهم أبعاد بعض القرارات السياسية والإنسانية، وجذب التعاطف ناحيتها هي وبيل كلينتون، وهي بنفسها قالت إنها أقدمت على الظهور فيه لتصحيح صورتها وتقويم السردية المنتشرة عنها، إذ كانت دوماً شخصية انقسمت الآراء حولها، سواء امرأة ارتضت خيانة زوجها المروعة وكذبه وسامحته وتعايشت معها، أو وزيرة خارجية أو سياسية نشطة في مجالات متنوعة أو مرشحة رئاسية.

لكن المؤكد أنه حينما تظهر تلك السيدات في تلك الأعمال فهن يضمن أن يكتفي القائمون عليها بروايتهن، وأن يكن راضيات تماماً عن صورتهن، ولهذا فإن الحياد شبه مستحيل، فمن غير المنطقي أن تمنح هيلاري أو ميشيل أو ميلانيا عشرات الساعات من أوقاتهن للحديث واسترجاع الذكريات ثم تنتقدهن تلك الأعمال، فكلها قصص ترويجية متلفزة بدرجة أو بأخرى.

السيدات الأوائل كقوة ناعمة خجولة أسهمن بلا شك في دعم كثير من القرارات السياسية، بل وأسهمن في تصحيح صور الأزواج والإدارات بأكملها وتوثيق الأرشيف السياسي الفارق، والنقطة الأخيرة في الأقل تنطبق على حال ميشيل أوباما التي تدخل في منافسة رمزية وثقافية مباشرة وحادة مع غالبية السيدات الأوائل، نظراً إلى ظروف نشأتها وأجندة اهتماماتها وكونها زوجة أول رئيس من أصول أفريقية في البيت الأبيض.

لكن الحقيقة أن إعادة سرد القصص التي تطبخ في الكواليس بعيداً من الصخب الإعلامي، وإظهار الدور الفعال وربما القيادي والمؤثر في السياسة العامة لهاتيك النساء، كانا محورين مهمين أيضاً للأعمال الوثائقية على وجه التحديد، إذ حملت مشاهد تفاصيل أسهمت في بعض الإنصاف وكسب التعاطف بإظهار نقاط كانت غائبة عن الجماهير، مثل الضغوط الهائلة لهذا الموقع على العائلة الصغيرة والكبيرة.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن إذا كانت الحكاية تروى بأصواتهن فهي تظل انتقائية، ولهذا فإن الوثائقي المفضل بعض الشيء في هذا الصدد هو حلقات "السيدات الأوائل First Ladies)) التي أنتجتها "سي أن أن" عام 2020، إذ اختيرت ست من زوجات الرؤساء الأميركيين البارزين، وبطبيعة الحال ميشيل أوباما، كقاسم مشترك دوماً في تلك النوعية من الأعمال، ثم جاءت باقي السيدات وهن إليانور روزفلت وليدي بيرد جونسون وجاكلين كينيدي ونانسي ريغان وهيلاري كلينتون.

وعلى رغم أن غالبية الأسماء جاءت من خلفية ديمقراطية تتوافق مع توجهات الجهة المنتجة الميالة إلى اليسار، فإن السلسلة حملت مشاهد لافتة وأرشيفا نادراً جرى توظيفه لمحاولة رسم البعد الإنساني والمهني للسيدات الست اللاتي أسهمن بقوة في تشكيل الإرث السياسي لأزواجهن، لكنهن أيضاً صنعن تأثيرات قوية على المستوى القومي من خلال القضايا التي تبنوها، وكذلك على مستوى التأثير الشعبي خارجياً، وعلى رغم أن المراجعات النقدية وصفت السلسة بأنها تشبه التحليلات التعليمية والتاريخية، فإنها حظيت أيضاً باهتمام كبير واعتبرت أكثر موضوعية بصورة ملاحظة من الأعمال ذات الطابع الدعائي المباشر، وأثني على اهتمام السلسلة بتسليط الضوء على دور النساء في الحكم وتقديم المشورة ودعم المشوار السياسي بصورة متوازنة، وتبني قضايا ذات بعد إنساني تستقطب جماهير أكبر.

2020-01-17T183540Z_2060140489_RC2UHE95CSW3_RTRMADP_3_PEOPLE-HILLARY-CLINTON.JPG

بينما مسلسل "السيدة الأولى" (The First Lady) الذي عرض قبل نحو أربعة أعوام من إنتاج "شوتايم" مستعرضاً مسيرة ثلاث سيدات أوائل أميركيات، فهو أكثر جذباً نظراً إلى المفارقات الدرامية وإصراره على تقديم حيواتهن كتجربة إنسانية وليس كوقائع جامدة، إذ يمتلكن السلطة ولكن بصورة غير رسمية، وكذلك يُحسب للعمل إبراز كيفية تطور دور السيدة الأولى في البيت الأبيض من محاولة الخروج من الدور الاجتماعي البروتوكولي التقليدي الذي يقتصر على الضيافة واستقبال المدعوين والظهور في الصور التذكارية إلى امرأة ذات دور فاعل، تأخذ على عاتقها ملفات إصلاح مجتمعية وتذهب إلى ما هو أبعد من خلال التأثير العالمي السياسي والثقافي العابر للحدود، في سرد درامي متواز يبدو كمقارنة هادئة وسلسلة تنتقل بين كل حقبة تاريخية وأخرى، ليتكشف للمشاهد كيف تتغير طريقة التعامل على رغم تشابه المواقف والأزمات.

وتعتبر شخصية إليانور روزفلت التي جسدتها ببراعة جيليان أندرسون من أكثرهن نضالاً، فهي امرأة تولت المنصب بين ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وكان عليها أن تبتكر حلولاً ووسائل ذكية من خلال بحثها عن دور مستقل، فتبنت قضايا مثل الرعاية الاجتماعية، وحاولت تخليص نفسها ونساء شعبها من القيود التقليدية وتجاوز الدور المرسوم لهن سلفاً في مثل تلك المناصب، لكن بالطبع تعقيدات السياسة تعطلها بين حين وآخر لكنها تقاوم، فيما كانت بيتي فورد التي ظهرت على الساحة مع زوجها في سبعينيات القرن الماضي أكثر حظاً في ما يتعلق بتقبل العمل العام للنساء، لكنها جاءت في ظروف سياسية شديدة الصعوبة، إذ دخلت الجناح الشرقي بعد انسحاب ريتشارد نيكسون من المشهد عقب فضيحة "ووترغيت" وتولي نائبه جيرالد فورد المنصب، ومع ذلك تجد بيتي في قضايا التوعية الصحية ملاذاً يجعلها تتخطى هذا الإرث المشين سريعاً، وتكسر نمطية دور السيدة الأولى تماماً.

الشخصية الثالثة هي ميشيل أوباما التي يذكر اسمها كثيراً، وقد جسدتها فيولا ديفيس بديناميكية وحماسة نابعتين من إعجابها الشخصي بدورها وسيرتها، فجرى إعادة تعريف دور السيدة الأولى جذرياً في عصر الإعلام الرقمي من خلال شخصية رفيعة تواجه نقداً سياسياً وضغوطاً إعلامية وتمييزاً عنصرياً أيضاً، وهي واحدة من أكثر الفترات زخماً، وكالعادة تخرج ميشيل أوباما في كل تلك الأعمال محاطة بسياق إيجابي وتربح دوماً درامياً وتوثيقياً كذلك، إذ تعتبر بمقاييس كثيرة شريكة سياسية لديها دور فاعل نظراً إلى ثقافتها العميقة وأنشطتها العامة، حتى قبل أن يقترب زوجها من منصب الرئيس، وفي المقابل وجدت كثير من المراجعات النقدية وبينها ما جاء في "نيويوركر" من أن العمل لم يكن على قدر اللحظات التاريخية الكبرى التي عاشتها النساء الثلاث، وأنه ركز اهتمامه بصورة مبالغ فيها على المحاكاة الشكلية لهن واستحضار نمط مكياجهن وأزيائهن وتعابير الوجوه، من دون النفوذ إلى عمق الشخصيات، ولهذا فهو إجمالاً في نظر غالبية النقاد ينتمي إلى عالم الدعاية السياسية لكن بصورة أكثر بهجة.

1996-12-19T120000Z_1710231777_PBEAHUMYTAU_RTRMADP_3_MADONNA.JPG

وفي حين كان جون وجاكلين كينيدي من أكثر المواد جذباً للدراما والأعمال الوثائقية بحكم طبيعة حياتهما وظروف مقتل الرئيس الـ 35 للولايات المتحدة، فإن أبرز ظهور درامي للسيدة الأولى كان في فيلم "جاكي (Jackie) الذي جسدت فيه ناتاي بورتمان شخصية جاكلين كينيدي قبل 10 أعوام، وفيه جرى التركيز على شخصية الأرملة شديدة التحفظ والمحتفظة بأناقتها دوما، والتي ترسم كل همسة وكل خطوة تخطوها، وعلى رغم أنها خطفت الأبصار بأزيائها وأسلوب تنسيق مظهرها لكنها كانت بعيدة من التلقائية تماماً وتحب قيادة الأمور، حتى لو بدت ظاهرياً عكس ذلك، إذ دارت الأحداث حول لقاء صحافي متخيل تقوم به عقب وقت قصير من حادث الاغتيال عام 1963.

دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
دراما السيدات الأول... أناقة الدعاية السياسية
أعلن في شمرا