يعتقد العلماء أن هذه الصخور البركانية ربما تكون قد نحتت بفعل اصطدامات نيزكية، ثم أُعيد توزيعها لاحقاً بفعل الرياح والجاذبية. وهي عملية لوحظت في عدد من الفوهات على سطح شبه جزيرة "أرابيا تيرا".
أثارت صور دقيقة جديدة لكوكب المريخ اهتمام العلماء بمنطقة تسمى أرض الجزيرة العربية. وتعيد تسمية المنطقة باسم "أرابيا تيرا" إلى الأذهان لدى بعض القرّاء إشارات ثقافية ودينية مرتبطة بفكرة "القصف بالحجارة"، كما ورد في بعض النصوص التراثية، وهي منطقة شاسعة وقديمة في نصف الكرة الشمالي للمريخ، تعرضت لقصف "نيزكي"، إذ تهيمن على الصورة فوهة "تروفيلو" البركانية، وهي حوض ناتج من اصطدام يبلغ عرضه نحو 130 كيلومتراً تعرض لقصف نيزكي لم يتوقف عند ضربة واحدة.
التقطت هذه الصور بواسطة مركبة "مارس إكسبريس" المدارية التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية خلال الـ12 من أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وتعمل "مارس إكسبريس" منذ فترة طويلة خلال مدارها رقم 26233 حول كوكب المريخ. ولكن، ووفقاً لبيان صادر عن وكالة الفضاء الأوروبية، لم تعالج هذه الصور إلا حديثاً لتصبح ذات ألوان غنية وتفاصيل طبوغرافية دقيقة للغاية.
ويعتقد العلماء أن هذه الصخور البركانية ربما تكون نُحتت بفعل اصطدامات نيزكية، ثم أُعيد توزيعها لاحقاً بفعل الرياح والجاذبية. وهي عملية لوحظت في عدد من الفوهات على سطح شبه جزيرة "أرابيا تيرا". أما القيمة العلمية لهذه الصور وفقاً للكاتبة سامانثا ماثيوسون، الحاصلة على بكالوريوس في الصحافة وعلوم البيئة من جامعة "نيو هيفن" في ولاية كونيتيكت، فهي كونها تعبر عن "القيمة العلمية المستمرة لفكرة إعادة معالجة البيانات المؤرشفة، واستخلاص تفاصيل وسياق جديدين من ملاحظات أُجريت قبل أشهر أو حتى أعوام". وتقول سامنثا عن ذلك "إنها نظرة جديدة رائعة على منطقة مثيرة للاهتمام تقع في الكوكب الأحمر وتسمى أرض الجزيرة العربية".
صور مذهلة
ضمن هذا السياق كتبت الصحافية العلمية والمتخصصة في هذا المجال سامانثا ماثيوسون، ضمن منشورات "أخبار علم الفلك" عن المجموعة الشمسية عموماً والمريخ تحديداً، مقالة نشرت قبل أيام تحت عنوان "صورة مذهلة للمريخ تبرز إحدى أقدم المناطق المليئة بالفوهات على الكوكب الأحمر". وجاء في المقالة "تقدم صور جديدة للمريخ نظرة مفصلة على إحدى أقدم مناطق الكوكب الأحمر وأكثرها حفراً، مسلطة الضوء على تضاريس تشكلت على مدى مليارات الأعوام بفعل الاصطدامات والنشاط البركاني والتعرية".
إلى جانب هذا الخبر، نشرت المحررة التي وصفها موقع علمي أميركي بارز بأنها تستمتع بالسفر إلى أماكن جديدة والتقاط الصور عندما لا تكون منشغلة بالكتابة أو القراءة عن العلوم، والتي نشرت أعمالها سابقاً ضمن مجلة Nature World News، صوراً لجزء من سطح المريخ يظهر مساحة واسعة مغطاة بتلال وأخاديد كثيفة وممتدة، تتفرع قطرياً عبر الصورة. وتبرز الصور تضاريس وعرة وذات ملمس مميز في هذه المنطقة "مما يشكل تبايناً مع السهول المحيطة الأكثر نعومة وذات اللون الفاتح، فيما اللون العام هو مزيج من درجات اللون البني الفاتح والبني المحمر". ويتطابق هذا الوصف تماماً مع رمال الجزيرة العربية الحقيقية على الأرض.
تربط مقالة سامنثا بصورة دقيقة بين هذه الصورة المثيرة للاهتمام للمريخ بصور أخرى للكوكب الأحمر التقطتها مركبات "ناسا" التابعة لوكالة الفضاء الأميركية، إذ نشرت "ناسا" بدورها مئات الصور البانورامية بتقنية التصوير الزمني لمنظر المريخ سابقاً. وتظهر صورة تربة زرقاء/ رمادية مع غروب الشمس، ولقطة مقربة لمركبة "كيوريوسيتي" في أسفل الصورة. وتشير الكاتبة إلى أن مركبة "كيوريوسيتي" التابعة لـ"ناسا" أرسلت أيضاً صورة بانورامية جديدة مذهلة من أعلى جبل شارب على سطح المريخ. وصورة لمركبة مدارية على المريخ ترصد نقوشاً غريبة في الرمال نشرت خلال الـ20 من يناير (كانون الثاني) 2025، إضافة إلى صورة لمنطقة تسمى "سيرتيس ماجور" هي من الصورة رقم 100 ألف التي التقطتها مركبة استطلاع المريخ المدارية التابعة لـ"ناسا" باستخدام كاميرات دقيقة، إذ التقطت الصورة الأخيرة خلال السابع من أكتوبر 2025.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتضيف سامنثا الهاوية للتصوير إلى جانب اهتمامها العلمي "على مدار ما يقارب 20 عاماً، ساعدت كاميرا HiRISE العلماء على فهم كيفية تغير سطح المريخ باستمرار". وتأتي هذه الصور إلى جانب نسخة كاملة الإطار من صورة "أرابيا تيرا" التي التقطها مسبار "مارس إكسبريس" خلال الـ12 من أكتوبر 2024. وتظهر الصورة أنه إلى يسار فوهة "تروفيلو" مباشرة، تقع حوضة كبيرة أخرى تبدو أقدم وأكثر تآكلاً، إذ تآكلت حافتها بالكامل تقريباً. وتخترق فوهة "تروفيلو" هذه الفوهة المتآكلة مما يشير إلى أن الحوضة المجاورة تشكلت أولاً.
وتجدر الإشارة إلى أن الأهمية العلمية لهذه المنطقة لا تكمن فقط في دقة الصورة وجمالها، إذ كشف العلماء أن "قاع هذه المنطقة مغطى بالكامل تقريباً بصخور داكنة غنية بالمعادن، وتحوي المغنيسيوم والحديد ومعادن مثل البيروكسين والأوليفين".
ولا يتوقف الكشف العلمي عند حدود اكتشاف وجود معادن مهمة للحياة في منطقة الجزيرة العربية على المريخ، بل إن الصور الدقيقة لهذه المنطقة كشفت أيضاً عن وجود الماء بصورة مثيرة للانتباه. وتؤكد سامنثا وجود الخطوط والبقع الداكنة المنتشرة في الصورة التي تشير على الأرجح إلى مواد بركانية، بينما تحدد الكثبان الهلالية الشكل اتجاه رياح المريخ التي لا تزال تشكل سطحه حتى اليوم. "وكشف تل فاتح اللون يبلغ طوله نحو 20 كيلومتراً مزين بتضاريس متعرجة عن وجود معادن تشكلت أو تغيرت بوجود الماء"، لذلك تبدو تلك الكثبان أفتح بكثير من التضاريس المحيطة. بالتالي، توضح هذه المعالم مجتمعة "العمليات التي شكلت شبه جزيرة ’أرابيا تيرا‘ على مدى مليارات الأعوام".
يذكر أن سامنثا نشرت مقالات علمية مشابهة عن المريخ يمكن وصفها بالمثيرة للجدل، لأنها تحدثت عن صور دقيقة علمية أكدت وجود الماء والحياة على الكوكب الأحمر، إذ كتبت سامنثا خلال الـ27 من فبراير 2026 تحت عنوان "مركبة كيوريوسيتي الجوالة تعثر على أدلة تشير إلى ماضي المريخ المائي في شبكات عنكبوتية صخرية". وجاء فيها "يعتقد أن هذه التكوينات الشبيهة بالشبكة قد نحتتها المياه الجوفية القديمة، مما يقدم أدلة جديدة حول ماضي الكوكب الأحمر المائي".
وتتزامن مقالات هذه الكاتبة وغيرها من العلماء الداعمين لفكرة غزو النجوم القريبة من الأرض والبحث عن وجود حياة على المريخ، مع السباق المحموم بين شركات الفضاء الأميركية الخاصة لاستعمار هذا الكوكب بهدف إقامة حياة بشرية مستدامة عليه، فيما يؤكد غير الداعمين لغزو القمر والمريخ أن هذه الفكرة هي مجرد قناع يخدم الشركات الخاصة الأميركية التي تريد نهب خيرات الكواكب القريبة منا لا أكثر.