فاصلة الأسبوع
يحمل السوريون كرامتهم في جيوبهم ويخوضون بها معارك يومية لا يعرف أحد لماذا بدأت. معارك في الشوارع، ووسائل النقل، وأماكن العمل، وحتى في البيوت.
يكفي أن تختلف مع أحدهم في الرأي، أو أن تتحرك حركة خاطئة في السيرفيس، أو أن تنظر إليه نظرة لم تعجبه، هنا، وفقط هنا، تُستدعى أساطير الأولين وتدق طبول الحرب ويتحول بطلنا إلى مزيجٍ هجين بين أرنولد شوارزنيجر وعنترة بن شداد، لتجد نفسك أمام معركة عنوانها الخالد: بتعرف مع مين عم تحكي؟
حتى أصبح رفع الصوت دليلاً على قوة الشخصية وأصبح الاعتذار والتسامح هزيمة، ويبدو أننا نمتلك فائضاً من الكرامة ننفقه بسخاء على التفاصيل التافهة، بينما نوفره بعناية عندما يتعلق الأمر بالقضايا المصيرية! قد يتسامح أحدنا مع فسادٍ يسرق قوت يومه، ويتعايش مع تجاوزٍ لحقوقه، ويتقبل قرارات لا يفهمها ولا يجرؤ على مناقشتها، لكنه لن يتسامح إطلاقاً مع سائق سيارة تجرأ على تجاوزه في الطريق.
فهنا تحديداً تبدأ معركة الوجود، وتُستدعى الأمجاد، ويصبح التراجع خيانة للتاريخ. ولا تكتمل الملحمة دون جمهور. فالمتفرجون في الشارع ليسوا عابري سبيل، بل هم طاقم إنتاج، نصفهم يحجز مقعد المتفرج ويشعل الفتنة بصرخات التشجيع “لا تسكتلو معلييم”، والآخر يوثّق الحدث بعدسات الهواتف للمجد الفيسبوكي.
ومع اتساع دائرة الحضور، يصبح الاعتذار خطيئة عظمى؛ إذ كيف ينزل البطل عن المسرح دون أن “يربّي” غريمه؟ وكيف له أن يتراجع بعد أن أصبح له جمهور ومشجعون؟
وطقوس هذه العنتريات تبدأ عادة بالسؤال العميق: شو قصدك؟ يتبعه سؤال أكثر عمقاً: بتعرف مين أنا؟ وتبدأ معركة نبش قبور الأجداد، ثم يصل النقاش إلى ذروته الفكرية مع العبارة الحاسمة: والله لفرجيك.
أما الجواب عن هذه الأسئلة، فلا يبدو أنه يهم أحداً. بل لإثبات أن صاحب الصوت الأعلى هو صاحب الحق، رغم أن الحق يكون قد غادر المكان منذ بداية الحدث، وهكذا، تتحول مشادة كان يمكن إنهاؤها بكلمة «معلش» إلى ملحمة شعبية، قد تنتهي بتدخل الشرطة، أو الإسعاف، أو على الأقل بفيديو يتداوله الناس حتى ظهور ملحمة جديدة.
والطريف أن صاحب هذه البطولة اليومية يمتلك شجاعة انتقائية، تعرف جيداً متى تزأر ومتى تصمت، فنجده قد يتحول إلى نموذج في صبر أيوب وضبط النفس حين يكون الطرف الآخر صاحب نفوذ أو سلطة. عندها يكتشف فجأة فضائل التسامح. أما إن كان خصمه عاملاً بسيطاً، أو سائقاً، أو موظفاً لا حول له ولا قوة، فإن الكرامة تستيقظ من سباتها، ويصبح السكوت مذلة لا تُغتفر.
هكذا فعل القهر المزمن أفاعيله بنا، فجعل المرء يبتلع الإهانة من أصحاب النفوذ، ليفرغ شحنته في وجه أول “معتّر” يصادفه. وهكذا امتلأت طرقاتنا بملايين الديكتاتوريات الصغيرة؛ كل فردٍ يمشي وكأنه دولة مستقلة حاملاً كرامته في جيبه، إن نظرت إليه نصف نظرة اعتبرها انتهاكاً لسيادته، متناسياً أن الكرامة التي تنكسر بسبب نظرة عابرة ليست كرامة، بل مجرد هشاشة وغرور، وأن القوة التي تستأسد على الضعفاء ليست سوى جبنٍ مقنّع، وأن النزول عن شجرة عنترة لن ينقص من قدر صاحبه شيئاً.
ولا يعني هذا أن المطلوب من المواطن أن يتخلى عن كرامته، بل فقط أن يتأكد جيداً قبل إعلان الحرب: هل ما تعرض للخطر فعلاً هو كرامته أم غروره؟