شهدت الصواريخ الباليستية التي تعمل بالوقود الصلب تطوراً كبيراً خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وكان على كل قوة عظمى أن تكون مستعدة لضربة نووية وقادرة على الرد الفوري بضربة نووية مماثلة

نسمع يومياً في نشرات الأخبار عن الاستخدامات الكثيفة للصواريخ العاملة بالوقود الصلب، لكن معظمنا لا يفقه طبيعة هذا الوقود وكيفية عمله، والاختلافات بينه وبين الوقود السائل، ومزايا وعيوب كل منهما.

على عكس أنواع الذخائر الأخرى كالقذائف والقنابل والرصاص، تحمل الصواريخ وقودها الخاص وتستمر في توليد قوة الدفع بعد الإطلاق، وتعتمد جميع الصواريخ المستخدمة حالياً في العمليات على الدفع الكيماوي، وبعبارة أخرى، تحرق هذه الصواريخ الوقود وتتحرك للأمام بفعل انبعاث الغازات الناتجة عن الاحتراق.

ومع تحول أكبر اقتصادات العالم، أي الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا، إلى اقتصادات حرب، واستمرار الصراعات في بؤر التوتر، يزداد الطلب بصورة كبيرة على صواريخ الوقود الصلب، والأهم من ذلك، على المكون الأساس لأنظمة الصواريخ والإطلاق هذه.

يشير الوقود الصلب إلى صور مختلفة من المواد الصلبة القابلة للاحتراق، والتي تحرق لإنتاج الطاقة، وخصوصاً لأغراض التدفئة والطهي والعمليات الصناعية، وتبقى هذه المواد في حالة صلبة في درجة حرارة الغرفة، ومن أنواع الوقود الصلب الشائعة الخشب ورقائق الخشب، والمخلفات الزراعية (الذرة والقمح)، الفحم ومشتقاته كالأنثراسيت، والفحم الحجري، والليغنيت، وفحم الكوك.

يستخدم الوقود الصلب في إنتاج الطاقة منذ قرون، ويتميز بصورته الفيزيائي المحددة، مما يسهل تخزينه ونقله، ويضمن هذا النوع من الوقود إمداداً مستمراً ومتاحاً للطاقة، فهو متوفر بسهولة، ويسهم في أمن الطاقة، وعلى عكس الوقود السائل، لا يتطلب استخراجه عمليات معقدة.

على عكس السوائل أو الغازات، لا يتدفق الوقود الصلب، وغالباً ما يكون مضغوطاً وسهل التخزين، ويُستخدم على نطاق واسع في التدفئة المنزلية والطهي والتطبيقات الصناعية، وكمواد دافعة صلبة في الصواريخ.

أما في عالم الصواريخ، فتتميز الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب بسرعة نشرها وجاهزيتها الدائمة وسهولة تخزينها، بينما تتميز الصواريخ التي تعمل بالوقود السائل بكفاءة أعلى، وقوة دفع قابلة للتحكم، ومدى أطول، ويعتبر الوقود الصلب مسبق الخلط ومستقراً، بينما الوقود السائل معقد، ويتطلب تحميله قبل الإطلاق.

بدأ استخدام الوقود السائل قبل قرن من الزمن، وتحديداً عام 1926، بفضل العمل الرائد للمهندس الأميركي روبرت غودارد، أما جميع الصواريخ التي أُطلقت قبل ذلك منذ اختراعها المرجح في الصين القديمة في القرنين الـ12 أو الـ13 فقد استخدمت الوقود الصلب.

كانت هذه الصواريخ المبكرة عبارة عن أنابيب مملوءة بالبارود، مع فتحة في أحد طرفيها تسمح بخروج الغاز، ويحوي البارود كلاً من الوقود والمؤكسد في خليط صلب واحد، يشبه إلى حد كبير المادة الموجودة في رؤوس أعواد الثقاب، ولا تختلف الصواريخ الحديثة التي تعمل بالوقود الصلب كثيراً عن تلك الصواريخ القديمة، فقد استُبدل البارود، الذي ينتج دفعاً نوعياً منخفضاً نسبياً وينطوي على أخطار أمنية، بمواد تولد كميات أكبر من الغاز، لكنها تعتمد على المبدأ نفسه المتمثل في دمج الوقود والمؤكسد.

1127013-1091711560.jpg

يعتبر محرك الصاروخ الصلب النظام الأكثر موثوقية ومتانة (رويترز)

وقد تشمل أنواع الوقود الصلب مركبات الزنك والكبريت أو مواد مثل النيتروسليلوز، ومع ذلك، تستخدم معظم أنواع وقود الصواريخ الصلبة اليوم وقوداً معدنياً مثل المغنيسيوم أو الألومنيوم، ممزوجاً بمواد تعمل كمؤكسدات ووقود في آنٍ واحد، مثل نترات الأمونيوم أو بيركلورات الأمونيوم.

وشهدت الصواريخ الباليستية التي تعمل بالوقود الصلب تطوراً كبيراً خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وكان على كل قوة عظمى أن تكون مستعدة لضربة نووية وقادرة على الرد الفوري بضربة نووية مماثلة، ولأن هذه الصواريخ كانت تحتاج إلى الإطلاق في غضون دقائق، لم يكن هناك وقت للتزود بالوقود، ونتيجة لذلك، طور كلا الجانبين صواريخ يمكنها البقاء على منصات الإطلاق لفترات طويلة مع الحفاظ على جاهزيتها للإطلاق السريع.

يعتبر محرك الصاروخ الصلب النظام الأكثر موثوقية ومتانة وسهولة في التخزين بين جميع فئات أنظمة تزويد المقذوفات بالطاقة، بما في ذلك صواريخ الوقود السائل، وتعد الخصائص الكيماوية والفيزيائية المتأصلة في صواريخ الوقود الصلب مثاليةً لأنظمة اعتراض الدفاع الجوي، وأنظمة إطلاق الصواريخ المتعددة، وصواريخ منع الوصول الدقيقة، وصواريخ جو-أرض بعيدة المدى، والصواريخ المضادة للسفن بعيدة المدى، وأنظمة إطلاق الأقمار الاصطناعية الصغيرة.

تتمثل الميزة الرئيسة للوقود السائل في ارتفاع الدفع النوعي، وهذا يعني أنه لإطلاق رأس حربي بكتلة معينة، يمكن أن يكون الصاروخ الذي يعمل بالوقود السائل أصغر حجماً، مما يسهل نقله ويقلل من احتمالية رصده من قبل العدو. ومع ازدياد حجم الصواريخ ومدى إطلاقها، تميل الميزة لصالح الوقود السائل، إذ يجب أن تكون صواريخ الوقود الصلب ذات القدرات المماثلة ضخمة للغاية، وهذا ما يستلزم مواقع تخزين دائمة قد تكون معروفة للعدو أو وسائل نقل بالغة التعقيد.

من ناحية أخرى، يجب تزويد صواريخ الوقود السائل بالوقود قبل الإطلاق، وهو ما يستغرق وقتاً ويعرض منصات الإطلاق للخطر، إضافة إلى أنها تتطلب صيانة أكثر، ويعتمد كثير منها على أنواع وقود سامة، مما يعقد إجراءات السلامة، ونتيجة لذلك، تستخدم معظم الصواريخ الأصغر حجماً والأقصر مدى الوقود الصلب، بينما تعتمد الصواريخ الأطول مدى في الغالب على الوقود السائل.

ويتفوق الوقود الصلب في الحالات التي تكون فيها البساطة والجاهزية في غاية الأهمية، إذ تفضل التطبيقات العسكرية استخدامه في سيناريوهات الاستجابة السريعة، حيث يحتاج الصاروخ إلى الإطلاق في غضون ثوان من صدور الأمر، وتستخدم مركبات الإطلاق الفضائية معززات صلبة لتوفير قوة دفع عالية أثناء الإطلاق، من ثم يتم التخلص منها بعد استهلاكها.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فيما تستخدم مركبات الإطلاق الفضائي بصورة متزايدة الوقود السائل لمحركاتها الرئيسة، وذلك تحديداً لقدرتها على إعادة التشغيل والتحكم الدقيق في قوة الدفع، وتتميز محركات "ميرلين" التابعة لشركة "سبيس إكس" الأميركية بقدرتها على خفض قوة الدفع خلال فترة أقصى ضغط ديناميكي هوائي والتوقف تماماً عند الوصول إلى السرعة المستهدفة.

وتؤدي العوامل الاقتصادية دوراً مهماً أيضاً في التفضيل بينهما، فالوقود الصلب عموماً أرخص في التصنيع والتخزين على المدى الطويل، بينما توفر الأنظمة السائلة إمكان إعادة الاستخدام، مما يغير معادلة الكلفة للعمليات ذات معدل الطيران العالي.

تقود الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي الجهود العالمية لتطوير صواريخ الوقود الصلب، ففي العام الماضي، أجرت شركة "نورثروب غرومان" الأميركية اختبار إطلاق ثابت لصاروخ قصير المدى جديد، يعرف باسم "SMASH22" (محرك صلب قابل للتعديل والتطوير، بنصف الوقت والكلفة)، وتخطط لإجراء اختبار إطلاق ثابت لصاروخ قصير المدى أكبر حجماً. يُصنع كلا الصاروخين باستخدام تقنية البطانة الآلية، وهي طريقة أسرع من العملية اليدوية المستخدمة منذ زمن طويل، وتصنع الأدوات والفوهات الحيوية بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، التي تستخدم وقوداً منخفض الكلفة، إضافة إلى التوأمة الرقمية للتصميم الهندسي.

وأعلنت شركة المقاولات الدفاعية الإيطالية "أفيو" قبل بضعة أشهر، عن بناء مصنع لصواريخ الوقود الصلب قصيرة المدى في ولاية فرجينيا، مع منح الأولوية في الوصول إلى المصنع لشركتي "لوكهيد مارتن" و"رايثيون"، فيما تتعاون شركة "راينميتال" الألمانية العملاقة في مجال الدفاع مع شركة "أندوريل" الأميركية لبناء جيل جديد من صواريخ الوقود الصلب لأغراض الدفاع الأوروبية، وبالمثل، بدأت شركة "بايرن-كيمي" الألمانية المتخصصة في ابتكار وتصنيع صواريخ الوقود الصلب، وشركة "رايثيون"، من خلال مشروعهما المشترك "كوملوغ"، بتصنيع صواريخ "باتريوت" في ألمانيا.

ولا يقتصر الطلب العسكري على صواريخ الوقود الصلب على الصواريخ فحسب، إذ تعمل القوات الفضائية الأميركية، في إطار احتياط الفضاء التجاري المعزز ومهمة الفضاء التكتيكية سريعة الاستجابة، على تطوير قدرات إطلاق مدارية تكتيكية وفورية عند الطلب، ومن المقرر منح نحو 20 عقداً ضمن هذا الاحتياطي لشركات إطلاق الفضاء التجارية هذا العام.

ينشغل كبار مصنعي الصواريخ الصلبة بتوسيع قدراتهم الإنتاجية، والأهم من ذلك، إدخال أنواع متطورة من الوقود الصلب، بما في ذلك السوائل اللزجة، إلى مزيج السوق، مما يسهم في زيادة مدة التخزين، وتعزيز موثوقية نظام الإطلاق، وتحسين كثافة الطاقة، ورفع نسبة الدفع إلى الوزن، واستخدام مكونات أنظف في الوقود.

ويبدو أن أحدث التقنيات في مجال الصواريخ الصلبة تركز على التصنيع السريع والفعال بكميات كبيرة وبكلفة منخفضة، والتصميم الكفء الذي يشمل التصنيع الرقمي والأتمتة، والأغلفة خفيفة الوزن والمتينة، وقدرات التخفي، والإشعال الذكي، وتوجيه الدفع، وكلها مصممة لجعل الصواريخ الصلبة مناسبة للاستخدام التكتيكي، وبعيد المدى، والموفر للوقود، والتخفي.

لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
لماذا تهيمن صواريخ الوقود الصلب على الحروب الحديثة؟
أعلن في شمرا