أجنحة في القن.. وحلم فوق القمم

نروي لكم هنا ما حصل مع النسر الحمصي.. “في أعلى قمم جبال لبنان الصخرية والمطلّة على مدينة حمص العدية والتي كانت تفوح منها روائح الورد والياسمين، كان فيه نسرٌ قوي عم يبني عشّه بين أغصان شجر السنديان، بنى وزوجته عشهم على أربع بيضات، يحرسونها بنظراتهم الثاقبة ويحيطونها بدفء أجنحتهم، حاملين في قلبه حلم أن يروا صغارهم يوماً نسوراً يجوبون سماء العدية، ويلمسون الغيوم بحريّهم، وينشرون هيبتهم في الأفق البعيد.

ولكنّ الأيام لم تدم على صفائها والرياح جرت بما لا تشتهي السفن، وفي صبيحة يومٍ غابت النسور باحثين عن رزقٍ لصغارهم، حيث عصف بالعدية زلزالٌ مهول، تلاها قصفٌ شديد وهزاتٌ متتالية ارتجت لها الاحياء وسكانها البسطاء وفقدت فيها الأشجار ثباتها فسقطت إحدى البيضات من العش العالي، وتدحرجت بين المنحدرات ذات الصخيرات السود القاسية، حتى انتهى بها المطاف في السهل السفلي، حيث كان هناك قنٌّ دجاج قديم بعيد محاطٌ بأسوار شائكة، يقطنه الدجاج في مساحةٍ ضيقة ومحدودة.

احتضنت الدجاجات تلك البيضة دون أن تدرك حقيقتها، وتطوعت دجاجة كبيرة في السن للعناية بها حتى تفقس، وذات يوم انكسرت القشرة وخرج منها نسرٌ صغير جميل.

كَبُر النسر بين أروقة القن، وتعلّم أن يلتقط الحبوب من التراب، وأن ينحني برأسه للأرض كلما هبت الريح، وأن يكتفي بالمساحات الضيقة ضمن سياج المزرعة البعيدة المهجورة حيث كان الجميع ينادونه بالدجاجة المختلفة، ويكررون على مسامعه كل يوم: أن مكانك هنا…. فابحث عن حبتك ولا تنظر إلى الأعلى. عاش النسر على هذا النحو سنوات وسنوات، لكن شيئاً غامضاً في داخله كان يؤرقه، في كلّ مرة ينظر فيها إلى جسده وقوة مخالبه واتساع جناحيه، كان يشعر بنبضٍ غريب يدعوه للارتفاع في السماء المفتوحة.

وفي أحد الأيام، وأثناء وقوفه عند حدود السياج الشائك، “رفعت العينان الثاقبتان للنظر نحو السماء وشاف نسر حر يطير بين الغيوم بكل كبرياء، ويصارع الرياح الشمالية ويرتفع فوق قمم جبال حمص الغربية العالية فشعر برعشة بقلبه الصغير، وحس بحنينٍ غريب ومخيف عم يمشي بعروقو، وصوت جواتو مليان شغف ودفء وبلش يحكي مع حالو ويقول: يا ريتني بقدر طير وعلي مثل ها الطير الحر”.

ضجّ القنّ بالضحك والاستهزاء وتقدّمت منه الدجاجات وقالت له بلغة الاستسلام والخذلان، استفق من أحلامك أيها الحالم الصغير أنت لست سوى دجاجة مثلنا، قُدّر لك أن تعيش على الأرض وتساق حيث أراد السجّان، تلك السماء للنسور المقتدرة، أما أنت فمكانك هنا بين الطين والحبوب، فنزل النسر الصغير رأسه، واستسلم لنداء اليأس وقواعد القن الشديدة، وأقنع نفسه بأنه مجرد دجاجة لا تملك حق الحلم.

مرت السنوات وتوالت النكبات، وفي ليلة شتاء قاسية، اندلع حريق مفاجئ في المزرعة، وانهارت الأسوار الشائكة تحت وطأة النيران، فذعر الجميع واختنق المكان بالدخان، وسقطت الدجاجات في حالة من الهلع والاستسلام، وبينما وجد النسر نفسه محاصراً بالنار من كل جانب، وفي لحظة القرار الحاسم بين الموت تحت الأنقاض أو المحاولة، نظر النسر إلى ألسنة اللهب، ثم نظر إلى السماء البعيدة صافية النجوم.

في تلك اللحظة الفاصلة، تذكر النسر فطرته الحقيقية وأدرك أن المشكلة لم تكن يوماً في قدرته، بل في البيئة التي أقنعته بعجزه، والدجاجات التي أسقطت سقف طموحها عليه، ففرد جناحيه العريضين بكل ما أوتي من قوة، وضغط بمخالبه على الأرض الرخيصة، ثم ضرب الهواء ضربة قوية حاسمة، ولأول مرة في حياته.

ارتفع جسده عن الأرض فتعثر في البداية، لكن الرياح التي كانت تخيفه أصبحت سنده، فحلق النسر عالياً، أعلى وأعلى وأعلى حتى اخترق سحب الدخان ليتجاوز أسوار المزرعة والقن إلى الأبد، ويكتشف أنه لم يكن يوماً دجاجة، بل كان نسراً سوريّاً حراً أضله زلزال الظروف، حتى استعاد سماءه وحريته التي يستحقها بادئاً في بناء مملكته الجديدة التي يستحقها وتستحقه دمت يا حمص العدية حرة أبيه في سماء سوريا العلية.

أعلن في شمرا