المراهقون لا يصمتون لأنهم بخير

حين يصمت المراهق لا يسأل غالباً عما يحاول قوله، بل نسأله لماذا لا يتكلم.. نراه جالساً طويلاً أمام هاتفه، يجيب بكلمات قصيرة، يغلق باب غرفته، ويتجنب الجلسات العائلية، فنصفه بأنه تغير او تمرد أو لم يعد يحترم أحداً. وقد نطالبه بأن يكون أكثر وضوحاً من دون أن نتساءل إن كنا جعلنا الوضوح آمناً بالنسبة إليه.

فالمراهق لا يصمت دائماً لأنه لا يملك ما يقوله، بل قد يصمت لأنه لا يعرف كيف يقوله أو لأنه جرب الكلام من قبل ولم يجد في الجهة الأخرى إلا الغضب أو السخرية أو المحاكمة. وقد يكون صمته محاولة لحماية نفسه من أسئلة كثيرة أو من نصيحة جاهزة أو من عقوبة يعرف أنها ستأتي قبل أن ينهي جملته. أحياناً يكون الصمت أضعف من أن يكون تمرداً وأقوى من أن يكون عجزاً إنه الطريقة الوحيد التي بقيت له كي يقول: لا أعرف كيف أشرح ما يحدث داخلي.

نحن نطلب من المراهق أن يحدثنا عن أصدقائه ودراسته ومخاوفه وعلاقاته ثم نغضب حين لا تأتي إجاباته على الصورة التي نريدها. نريده صريحاً لكننا لا نحتمل صراحته، نريده واثقاً لكننا نسخر من ارتباكه، نريده أن يطلب المساعدة ثم نذكره بكل مرة أخطأ فيها حين يطلبها. وهكذا يتعلم أن الكلام ليس طريقاً إلى الفهم، بل بداية لمشكلة جديدة فيختار الصمت لأنه أقل تكلفة.

وقد يبدو المراهق بعيداً عن أسرته بينما يكون في الحقيقة قريباً منها أكثر مما نظن لكنه ينتظر إشارة واحدة تقول له إن بوسعه أن يتحدث من دون أن يخسر كرامته، فالمراهق لا يحتاج دائماً إلى حل سريع ولا إلى شخص يشرح له الحياة من أولها، بل يحتاج إلى من يحتمل ارتباكه و يترك له وقتاً كي يرتب كلماته ويستمع إلى القصة كاملة قبل أن يصدر حكمه. الفرق كبير بين أن نصغي لنفهم وأن نصغي لنرد.

ويزداد هذه الصمت في البيئات التي تحول كل اعتراف إلى تهمة.. فإذا قال المراهق إنه خائف قيل له إن الخوف ضعف وإذا اعترف أنه فشل قورن بغيره، وإذا تحدث عن صديق يؤذيه سئل أولاً عن سبب اختياره له، وإذا أبدى حزنه طلب منه أن يتماسك. ومع تكرار هذه الردود يبدأ بإخفاء مشاعره لا لأنها صغيرة بل لأنه لم يجد مكاناً آمناً يضعها فيه وقد يتحول مالا يستطيع قوله إلى غضب أو عزلة أو تراجع دراسي، أو تعلق مفرط بالهاتف أو علاقة سرية يبحث فيها عن قبول لم يجده في البيت.

ليس الهاتف دائماً سبب المشكلة فقد يكون أحياناً المكان الذي يذهب إليه المراهق حين لا يجد من يسمعه في العالم القريب. هناك يكتب أو يتحدث أو يراقب الآخرين أو ينسى لساعات مالا يستطيع مواجهته ولذلك فإن انتزاع الهاتف منه قد يوقف السلوك الظاهر، لكنه لا يعالج الحاجة التي دفعته إليه. السؤال الأهم ليس: كم ساعة أمضى أمام الشاشة؟ بل ماذا كان يحاول أن يجد فيها؟

لا يعني ذلك أن كل مراهق صامت يعيش أزمة عميقة، فالصمت جزء من هذه المرحلة والحاجة إلى الخصوصية ليست مرضاً ولا دليلاً على فساد العلاقة. لكن التغير المفاجئ والمستمر والانقطاع عن الأصدقاء واضطراب النوم وفقدان الاهتمام والتراجع الدراسي أو ظهور عبارات عن اليأس وعدم جدوى الحياة، كلها إشارات تستحق الانتباه الهادئ، وربما الاستعانة بمختص حين تكون الحاجة أكبر من قدرة الأسرة على التعامل معها. فالحب وحده مهم لكنه لا يلغي ضرورة المعرفة والمساعدة المتخصصة.

إن الاقتراب من المراهق لا يبدأ بالأسئلة الكثيرة بل بتغيير المناخ التي تطرح فيه الأسئلة.. أن نكلمه ونحن أقل انشغالاً بالهاتف و أن نختار لحظة لا يشعر فيها بأنه متهم وأن نترك له حق ألا يجيب فوراً، مع أن نؤكد له أننا موجودون حين يصبح مستعداً. وقد يكون الحديث أسهل أثناء المشي او الطريق القيام بعمل مشترك. حين لا تبدو المواجهة مباشرة. أحياناً تفتح جملة بسيطة باباً ظل مغلقاً طويلاً “لا أريد أن أحاكمك، أريد فقط أن أفهم ما تمر به”.

المراهق لا يحتاج إلى أهل يوافقونه في كل شيء بل إلى أهل يستطيع أن يختلف معهم من دون أن يخسرهم، يحتاج إلى حدود تحميه، لا إلى رقابة تشعره بأنه متهم دائماً، وإلى نصيحة تساعده على التفكير، لا إلى أوامر تلغي صوته، فالثقة لا تطلب من المراهق كواجب بل تبنى معه من خلال مواقف صغيرة ومتكررة، يكتشف فيها أن خطأه لن يحوله إلى شخص مرفوض وأن طلبه للمساعدة لن يستخدم ضده لاحقاً.

المراهقون لا يصمتون لأنهم بخير كما أنهم لا يتكلمون لأنهم سيئون، إنهم يصمتون أحياناً لأنهم يخافون أن نخسرهم إذا عرفنا حقيقتهم ومهمتنا ليست أن ننتزع الكلام منهم، بل أن نبني علاقة تجعل الكلام ممكناً، فحين يشعر الابن بأن البيت مكان يعود إليه لا مكاناً يحاكمه لن يضطر إلى البحث عن أذن غريبة في كل مرة تضيق بها نفسه وحين نعلمه أن مشاعره مسموعة، نكون قد منحناه أول أداة لحماية نفسه.

أعلن في شمرا