ثبت بالدراسات أن التعاطف في نهاية الأمر قدرة يمكن تنميتها وبناؤها بصورة منهجية عبر التواصل والعمل الإنساني المباشر، الذي يتطلب التعامل مع مزيج من المشاعر والمواقف المعقدة، والتعرض المتكرر لتعقيدات المشاعر ودرجاتها.
ربما أصبح من القديم القول بمدى أهمية الذكاء الاصطناعي في حياتنا ودرجة تغلغله في مفاصل حياتنا اليوم، أما الجديد هو أن نعترف بأنه تحوَّل فعلياً إلى شريك حقيقي، له مكانة وحضور وثيق، علناً لا ندري إن مر في تاريخ البشر علاقة شبيهة بين الإنسان والآلة، فنحن اليوم أمام تحول في طبيعة الذكاء ذاته، وفي تصوراتنا وعلاقاتنا مع المفاهيم الأكثر التصاقاً بكينونتنا مثل الإنتاجية والنجاح والإبداع والثراء والقيمة، والأهم من هذا كله الجهد البشري.
الجهد الذي بقي قروناً طويلة خزانتنا الأثمن، التي كلما دفعنا منها ارتقينا بها إنجازاً، يأتي الذكاء الاصطناعي اليوم ليطلب منك أن نرتاح قدر الإمكان ونسترخي، وهو سيقوم بالمطلوب ببضع دقائق، مشكلاً هوية مهنية جديدة كلياً لم يسبق لها مثيل على الإطلاق، تعيد تعريف معنى العمل وغايته، عنوانها الشراكة بين الإنسان والآلة.
لكن، هل ستجعلنا هذه الشراكة القوية عرضة للكسل الذهني؟ وهل يمكن للشريك الجديد أن يحد من تطورنا بصورة أو بأخرى؟ للإجابة سنبدأ أولاً من العوامل التي شكلت هويتنا المهنية قبل الذكاء الاصطناعي.
الحقيقة أن كل ما نتعلمه كبشر هو قائم بصورة أساسية على التعلم من التجارب والتصحيح بعد الفشل والحصول على معلومات من معلمين ومستشارين ومقدمي رعاية بالعموم، فالتجربة هي التي تسهم في تشكيل خبراتنا ومرونتنا وقدرتنا على التمييز، فضلاً عن تشكيل هويتنا المهنية.
فمواجهة الصعوبات تصقل تجربتنا، إذ تضطرنا إلى التفكر بغرض الوصول إلى حلول، وبالتكرار الذي لا يعرف التوقف نصل، وفي الطريق يتشكل المسار المهني لكل منا ليصبح للتجربة أبعاد ربما لا يختص بها سوى البشر وحدهم، مزيج من المثابرة والهدوء والمرونة وضبط الانفعالات والتسامح مع الخطأ وكيفية مخاطبة الزملاء والتودد لهم وبناء جسور من الود والاحترام.
ظلت الصفات الأصعب التي يمكننا اكتسابها هي تلك التي تأتينا على صورة منح منذ الطفولة وهي غير قابلة للاكتساب بالمعنى المتعارف عليه، واحدة منها هي طريقة التفكير ذاتها، التي تؤسسها نسب من صفات ومهارات مثل الاستدلال والتحليل والحدس والإبداع المبني على التجربة الإنسانية، وبعضها يحتاج تطويرها إلى جهد إضافي مثل الذكاء العاطفي المتعدد الوجوه والتعاطف. وقد ثبت بالدراسات أن التعاطف في نهاية الأمر قدرة يمكن تنميتها وبناؤها بصورة منهجية عبر التواصل والعمل الإنساني المباشر، الذي يتطلب التعامل مع مزيج من المشاعر والمواقف المعقدة، والتعرض المتكرر لتعقيدات المشاعر ودرجاتها.
وفي السياق يتمتع الإنسان بالوعي الذاتي كحالة الإدراك الشامل للذات والمشاعر والأفكار والمحيط الخارجي، الذي يتيح له الفهم والتحليل واتخاذ القرارات الواعية، كما تغنيه التجربة الحسية المباشرة لتشكله توليفة متوازنة من المعرفة والتجربة والأخلاق والتعاطف، لم تكن لتأتي لولا عيش الحياة بكل تقلباتها.
إذاً، شكَّل البشر سابقاً مسارهم المهني بالتفكر والتحليل وتكرار التجارب للوصول إلى الحلول، وكان الطريق إلى القرار الحكيم والرأي السديد يتطلب التمرس في مجموعة من المهارات قد يتخللها الفشل مرات عدة حتى الوصول أخيراً للنجاح، وكان هذا كله يقوي عضلات التفكير والتحليل ويعزز البأس لخوض التجارب بكل ما فيها.
اليوم، نتوقف تقريباً عن فعل هذا كله بوجود أدوات الذكاء الاصطناعي، هي حقيقة ستجنبك المرور بهذا الطريق برمته، وتحملك عالياً كي تطير فوقه مجتازاً كل هذه التلال من الصعوبات الممتعة لكي توصلك مباشرة إلى القرار.
واليوم، ينتقل الموظفون لأداء المهام واتخاذ القرارات استناداً إلى البيانات وأدوات الذكاء الاصطناعي التي يشرفون عليها، بدلاً من تأديتها استناداً إلى حدسهم وقدرتهم على الحكم التي بلوروها على مدار أعوام من الخبرة.
لهذا التجاوز والقفز فوق الصعوبات ضريبة على المستوى المادي، ربما مع الوقت ترخي بظلالها على مسيرة تطور البشر، وتمس نقاطاً شكلت جوهر التفوق البشري، فعندما نعتمد على الذكاء الاصطناعي بصورة كلية في حل المشكلات، بخاصة المعقدة منها، نحن نرمي هنا مفاتيح قوتنا، إذ كثيراً ما تطورت البشرية بالإجابة عن السؤال الذي تحفزه المشكلات، الانتقال إلى الإجابة من دون المرور بمراحل التفكير العميق للوصول إليها، لنمتلك الجواب ونخسر القدرة على الاستنتاج، مما سيؤدي حتماً إلى ضمور المهارات التحليلية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ليصبح العقل البشري مجرد مُتلقٍّ سلبي للحلول الجاهزة، بعدما يفقد القدرة على تكسير المشكلة وصياغة الفرضيات واختبارها والتوصل إلى استنتاج أصيل، ويعزز انتشار وهم الفهم الذي سيخلق بالضرورة جيلاً من الخبراء السطحيين، وسيغيب مع هذا كله دروس الفشل والتعلم من خلال الخطأ، وفقدان الحدس المهني الذي تراكم عبر سنوات من التجارب والتحليل اليدوي.
كثيراً ما استخدم الإنسان الأدوات والابتكارات الجديدة لتقليل الجهد البدني وتعزيز القدرات الجسدية، وفي حين ظهرت أدوات قللت من الجهد الذهني المطلوب لا أنها لم تمكن الإنسان من الركون إليها تماماً واللجوء للكسل الذهني، أما ما نراه اليوم فهو اعتماد شبه كلي على الذكاء الاصطناعي في مهامنا الفكرية، إذ لم يقدم الذكاء الاصطناعي لنا كما المعتاد برامج تنفذ الأوامر، بل أتى إلينا على صورة نظام متكامل يتعلم ويعلم ويقترح ويقبل الاقتراحات ويبتكر ويرحب بالابتكار.
وقدمت أنظمة الذكاء الاصطناعي للمتخصصين خدمات موفرة للوقت لا تقدر بثمن ليتحول الإنسان إلى مشرف ومفسر، معززاً بالذكاء الاصطناعي كتقنية هائلة من الأتمتة الضخمة لمهام متكررة روتينية شكلت مع الوقت حالاً من الملل والعبء الثقيل.
والمفروض أن يحرر الذكاء الاصطناعي الطاقة البشرية للتركيز على المهام عالية المستوى، مثل الابتكار والتفكير الاستراتيجي والتعاطف وإدارة العلاقات المعقدة.
والصحيح أن يظل ارتكازنا الأساس على نقاط قوتنا الإنسانية التي لا بديل عنها، إذ سيكون المستقبل لأصحاب المهارات الناعمة والعمق والمعنى، أولئك المتسلحين بالذكاء العاطفي والتفاوض الرفيع المستوى وبناء الثقة والألفة، مستثمرين في الذكاء الاصطناعي انطلاقاً من معرفتنا بأنه بوابتنا للسرعة والاتساع ومطرقتنا التي تمكننا من كسر حدود إمكاناتنا المحدودة.