فوضى الذكاء الاصطناعي هي محتوى ذو مظهر لامع أحياناً، لكن جوهره أجوف وخال من الروح البشرية ومن المسؤولية المعرفية، هو موجود فقط لملء فراغ رقمي بأقل كلفة ممكنة. وأسهل طريقة لاكتشافه هي أن تسأل نفسك بعد قراءته السؤالين التاليين، ما الاستفادة الحقيقية التي حصلت عليها؟ وهل هناك كائن بشري مفكر يقف خلف هذا الكلام؟
إذا كانت الإجابة الأولى "لا شيء" والثانية "لا"، فأنت على الأرجح أمام عينة من فوضى الذكاء الاصطناعي.
تتعامل فئة كبيرة من صناع المحتوى مع ثورة الذكاء الاصطناعي ونماذجه اللغوية على أنها كشف عن كنز كبير أتيح للعامة النهل منه كما يشاؤون، فتقريباً لم يعد هناك من موقع أو قناة على "يوتيوب" لم تستثمر به، وإن تفاوت قدر هذا الاستثمار، لكن لهذا الانفتاح على هذا العالم سلبيات ربما لا يستطيع ملاحظتها كثيرون من العامة، إذ يترك هذا الإنتاج الضخم للمحتوى المولد عبر أدوات الذكاء الاصطناعي خلفه نواتج يمكن تسميتها بـ"المخلفات". وكما نكرر دائماً أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى الإنسان لقيادته، ولا يمكن له أن يكون قائداً بأية حال من الأحوال، والقائد البشري هنا لا بد أن يملك من المعلومات الحد الأدنى الذي يسمح له باستقبال إجابات النموذج وتفنيدها ومن ثم توجيه النموذج وقيادة المحادثة ككل، للوصول إلى النتيجة الأمثل والخالية من الأخطاء والاختلاق.
الاستسهال في استخدام الذكاء الاصطناعي أدى إلى تلويث الفضاء الرقمي بكم من المحتوى الرديء (غيتي)
إن الاستسهال في استخدام الذكاء الاصطناعي أدى إلى تلويث الفضاء الرقمي بكم من المحتوى الرديء، الذي اصطلح على تسميته بـ AI Slop كتعبير يصف مخلفات الذكاء الاصطناعي، كما يطلق عليه اسم الفوضى الرقمية digital clutter، في حين لا يوجد، حتى الآن، مصطلح دقيق يعبر عنها باللغة العربية، لذا يمكننا تسميته بـ"هراء" أو نفايات الذكاء الاصطناعي أو الذكاء الاصطناعي غير المنظم، أو يمكننا أن نطلق عليه مجازاً فوضى أو ضوضاء الذكاء الاصطناعي.
وصيغ مصطلح Slop في العقد الثالث من القرن الـ21، ويحمل دلالة سلبية مشابهة لكلمة spamالتي تصف البريد العشوائي، وقد اختيرت Slop كلمة عام 2025 من كل من قاموس "ميريام ويبستر" وجمعية اللهجات الأميركية، وفي النهاية يعد مصطلح AI Slop ساخراً وغير رسمي. ويشير المصطلح بصورة عامة إلى محتوى ضحل أو عديم الفائدة، من نصوص عامة مكررة أو تفتقر للعمق والبصيرة البشرية، أو محتوى به أخطاء أو معلومات غير دقيقة على رغم أنه يبدو منطقي في ما يعرف بـ"الهلوسة" Hallucination، أو محتوى منتج بكمية كبيرة مثل سيل من المقالات أو التعليقات أو الصور المنتجة بكميات هائلة لكن بجودة متدنية. إذاً هو بالعموم حال من التدفق غير المنظم للمحتوى الرديء، الذي يعطي الأولوية للسرعة والكمية على حساب المضمون والجودة.
قد تكون هذه المخلفات عبارة عن نتيجة ثانوية غير مقصودة في بعض الأحيان، ومقصودة في أحيان أخرى، وغالباً ما يكون الهدف تحقيق الربح السريع والحصول على إيرادات من الإعلانات، ومن خلال إنتاج كميات هائلة من المحتوى (مقالات أو فيديوهات أو صور) بأقل كلفة ممكنة لجذب الزيارات والنقرات، وبالتالي تحقيق ربح من الإعلانات المرتبطة به، حتى لو كان المحتوى رديئاً.
وقد يكون الهدف في بعض الأحيان تحسين محركات البحث من خلال حشو الإنترنت بمقالات لجذب الزوار من محركات البحث، من دون الاهتمام بقيمة المحتوى المقدم للقارئ، أو حتى التنافس على جذب الانتباه لاحتلال أكبر حيز ممكن على منصات التواصل ونتائج البحث.
وفي كثير من الأحيان، يعرض المستخدمون محتوى رديئاً مولداً بواسطة الذكاء الاصطناعي، جيداً بما يكفي لجذب انتباه المستخدمين، مما يسمح لهم بالاستفادة مادياً من المنصات التي تدر أرباحاً من البث المباشر والمحتوى القائم على المشاهدات، ويمكن تمييز هذا النوع من المحتوى في الغالب من خلال غرابته وعدم منطقيته وزيفه.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نشرت صحيفة "الغارديان" تحليلاً في يوليو (تموز) عام 2025 تناول كيفية سيطرة المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي على قنوات "يوتيوب" الأسرع نمواً، ووجد الصحافيون أن تسعاً من بين أفضل 100 قناة من حيث سرعة النمو، تعرض محتوى مولداً بالذكاء الاصطناعي، مثل مباريات كرة القدم مع الزومبي ومسلسلات القطط، كما يمكن أن يظهر هذا جلياً بقليل من التركيز، في منصات خاصة بالموسيقى والصوتيات كـ"سبوتيفاي" على سبيل المثال.
وأظهرت دراسة نشرت نتيجتها صحيفة "الغارديان" نهاية العام الماضي، أن أكثر من 20 في المئة من الفيديوهات التي تعرضها خوارزميات "يوتيوب" للمستخدمين الجدد ليست إلا محتوى رديئاً ومنخفض الجودة مصمماً خصيصاً لزيادة المشاهدات.
في السياق ذاته، أجرت شركة تحرير الفيديو "كابوينغ" استطلاعاً شمل 15 ألف قناة من أشهر قنوات "يوتيوب" في العالم، (أي أفضل 100 قناة في كل دولة)، ووجدت أن 278 قناة منها تحتوي فقط على محتوى رديء مصمم بتقنية الذكاء الاصطناعي، وقد حصدت هذه القنوات مجتمعة أكثر من 63 مليار مشاهدة ووصل عدد مشتركيها إلى 221 مليون مشترك، محققة إيرادات تقدر بنحو 117 مليون دولار سنوياً، وفقاً للتقديرات.
بحسب "الغارديان" أيضاً، تقدم هذه النتائج لمحة عن صناعة سريعة النمو تهيمن على منصات التواصل الاجتماعي الكبرى، من X إلى Meta إلى "يوتيوب"، وترسخ حقبة جديدة من المحتوى العالمي والمجرد من السياق والجذاب لدرجة الإدمان. وفي وقت سابق أوقفت مجلة "كلاركس وورلد" موقتاً استقبال المشاركات الجديدة، بسبب تدفق سيل هائل من القصص منخفضة الجودة المنشأ، بواسطة الذكاء الاصطناعي. ومنذ ذلك الحين، تتبع المجلة سياسة صارمة ضد المحتوى المنشئ بواسطة الذكاء الاصطناعي. وحتى "ويكيبيديا" لم تسلم من المحتوى متدني الجودة، مما تسبب بإرهاق نظام الإشراف وإدارة المحتوى الخاص بها، والحقيقة أنه في حال لم تنجح المؤسسة في إزالته، فإن مصدراً معلوماتياً أساسياً يعتمد عليه الناس سيكون معرضاً للخطر.
يتسلل المحتوى الرديء المولد بالذكاء الاصطناعي إلى مصادر الإعلام التي يستخدمها الناس، فخلال إعصار "هيلين"، استشهد معارضو الرئيس جو بايدن (الرئيس الأميركي السابق) بصورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لطفل مهجر يحمل جرواً كدليل على سوء تعامل الإدارة مع الاستجابة للكارثة. وهذا ما يؤكد أنه حتى عندما يكون من الواضح أن المحتوى مولد بالذكاء الاصطناعي، فإنه لا يزال من الممكن استخدامه لنشر معلومات مضللة عن طريق خداع بعض الأشخاص الذين يلقون نظرة سريعة عليه. وبذلك يترك هذا النوع من المحتوى آثاره السلبية في جودة المحتوى العام وفي صناعة المحتوى والإبداع البشري، كما يؤثر سلباً في المستوى الفردي في التضليل بصورة مباشرة، وفي إهدار الوقت والانتباه، وغالباً ما يؤدي إلى حال من الإرهاق المعرفي والإحباط. كما يلحق المحتوى الرديء المولد بالذكاء الاصطناعي الضرر بالفنانين من خلال التسبب في فقدان الوظائف والخسائر المالية، وإزاحة المحتوى الذي ينتجه المبدعون الحقيقيون، فغالباً ما لا تميز الخوارزميات التي توجه وسائل التواصل الاجتماعي بين هذين النوعين من المحتوى، مما يؤدي إلى تهميش فئات كاملة من المبدعين.
فوضى الذكاء الاصطناعي هي محتوى ذو مظهر لامع أحياناً، لكن جوهره أجوف وخال من الروح البشرية ومن المسؤولية المعرفية، هو موجود فقط لملء فراغ رقمي بأقل كلفة ممكنة. وأسهل طريقة لاكتشافه هي أن تسأل نفسك بعد قراءته السؤالين التاليين، ما الاستفادة الحقيقية التي حصلت عليها؟ وهل هناك كائن بشري مفكر يقف خلف هذا الكلام؟
إذا كانت الإجابة الأولى "لا شيء" والثانية "لا"، فأنت على الأرجح أمام عينة من فوضى الذكاء الاصطناعي.