يرى العلماء أن الطاقة الشمسية الفضائية قد تكون إحدى الآفاق الواعدة لضمان مستقبل طاقة نظيفة ووفيرة حقاً، فالفكرة التي اقترحها العالم الأميركي بيتر غلاسر للمرة الأولى عام 1968 تقوم على وضع أقمار اصطناعية كبيرة مزودة بألواح شمسية في مدى ثابت بالنسبة إلى الأرض، على ارتفاع نحو 36 ألف كيلومتر فوق سطح الأرض.
تستكشف الدول وشركات الطاقة العملاقة طرقاً بديلة للوصول إلى مصادر الطاقة النظيفة غير التقليدية، سعياً منها إلى دعم التحول الأخضر العالمي وتسريع الابتعاد عن الوقود الأحفوري، ومن بين مصادر الطاقة التي يجري استكشافها هي الطاقة الشمسية الفضائية، لا سيما أن العلماء ناقشوا إمكان نقل الطاقة الشمسية من الفضاء لعقود وهو مفهوم بدا لهم سابقاً ضرباً من الخيال وغير قابل للتحقق، إلا أنه بفضل الابتكارات التكنولوجية تغير كل ذلك وأصبح من الممكن تطبيقه قريباً.
ووفقاً لدراسة حديثة أجرتها وكالة الفضاء الأميركية "ناسا"، فإن وضع ألواح شمسية في الفضاء قد يقلل حاجات أوروبا من الطاقة المتجددة الأرضية بنسبة 80 في المئة بحلول عام 2050، ووجدت الدراسة أن هذه الألواح يمكن أن تخفض كلفة شبكة الطاقة الأوروبية بصورة كبيرة، بنسبة تصل إلى 15 في المئة، كذلك فإنها ستقلل اعتمادنا على تخزين البطاريات، مما يجعل إمدادات الطاقة الشمسية أكثر استقراراً.
يقف العالم اليوم على مفترق طرق، مواجهاً تحدياً مزدوجاً يتمثل في تلبية حاجات الطاقة لسكان العالم المتزايدين، ومكافحة تغير المناخ في الوقت نفسه. ويتسارع الطلب على الطاقة نتيجة تزايد استخدام الكهرباء ونمو البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، مما يجعل أنظمة الطاقة الحالية غير مستدامة، وعلى رغم أهمية مصادر الطاقة المتجددة الأرضية كالرياح والطاقة الشمسية، فإنها متقطعة وتتطلب مساحات شاسعة من الأراضي.
من هنا يرى العلماء أن الطاقة الشمسية الفضائية قد تكون إحدى الآفاق الواعدة لضمان مستقبل طاقة نظيفة ووفيرة حقاً، فالفكرة، التي اقترحها العالم الأميركي بيتر غلاسر للمرة الأولى عام 1968 تقوم على وضع أقمار اصطناعية كبيرة مزودة بألواح شمسية في مدى ثابت بالنسبة إلى الأرض، على ارتفاع نحو 36 ألف كيلومتر فوق سطح الأرض، هناك تتعرض هذه الأقمار لأشعة الشمس المباشرة على مدى الساعة، ويحول هذا التدفق المستمر للطاقة الشمسية إلى موجات ميكروية ويبث إلى محطات استقبال أرضية.
تجمع الطاقة بواسطة هوائي استقبال، أو "مقوم هوائي"، وهو عبارة عن شبكة خفيفة الوزن من الهوائيات مثبتة على أعمدة، ولأن "المقوم الهوائي" شفاف إلى حد كبير، يمكن استخدام الأرض تحته لزراعة المحاصيل أو تركيب ألواح شمسية أرضية، بعدها يقوم "المقوم الهوائي" بتحويل طاقة الميكروويف إلى كهرباء، والتي تغذى بعد ذلك إلى شبكة الكهرباء، ومع أن هذه التقنية كانت تعتبر مجدية تقنياً في سبعينيات القرن الماضي، إلا أنها لم تصبح مجدية اقتصادياً إلا في العقد الأخير مع انخفاض كلفة الإطلاق والتقدم في التصنيع على نطاق واسع.
مزايا هذا النهج الذي نتحدث عنه لافتة بحق، فمحطات الطاقة الشمسية الأرضية عرضة لتقلبات الطقس ودورة الليل والنهار، بينما توفر محطات الطاقة الشمسية الفضائية طاقة أساسية ثابتة وموثوقة، وهو أمر لا يمكن تحقيقه على الأرض إلا باستخدام الوقود الأحفوري أو الطاقة النووية، كذلك فإن شدة ضوء الشمس في الفضاء أعلى بكثير، مما يعني أن الألواح الشمسية الفضائية تولد طاقة أكبر بكثير لكل متر مربع مقارنة بنظيراتها الأرضية، وهذا ما يتيح استخدام مساحات قيمة من الأراضي.
وتترجم هذه الكثافة العالية للطاقة إلى انخفاض كبير في استهلاك المواد، إذ يتطلب نظام محطات الطاقة الشمسية الفضائية كميات أقل بكثير من المعادن الأساسية لتوفير نفس الطاقة المستمرة التي يوفرها حل أرضي مع تخزين طاقة واسع النطاق، وهذا يوفر مساراً أكثر استدامة، ويخفف الضغط على الموارد، أيضاً الطاقة قابلة للتوزيع، فكل قمر اصطناعي يمكنه رصد ربع الكرة الأرضية، مما يسمح بنقل الطاقة بين الدول بصورة فورية تقريباً، ناهيك بأن الدراسات تشير إلى أن نسبة كبيرة من حاجاتنا من الطاقة يمكن تلبيتها من خلال برنامج الطاقة الشمسية الكهروضوئية بكلفة اقتصادية ضئيلة.
ستتجاوز فوائد تطوير الطاقة الشمسية الفضائية المستدامة بنجاح الطاقة النظيفة، لتشمل إنشاء صناعة جديدة تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات، ودفع عجلة النمو الاقتصادي. ويعد حجم السوق الإجمالي المستهدف هائلاً، إذ يستهدف حصة الكهرباء من سوق الطاقة العالمية التي تقدر قيمتها بأكثر من 2.5 تريليون دولار سنوياً، وسيعزز هذا النموذج أمن الطاقة واستقلاليتها، ويقلل الاعتماد على أسواق الوقود الأحفوري المتقلبة.
ويقدم هذا النموذج الاقتصادي نهجاً ثورياً للتنمية الدولية والعدالة المناخية، ومع وجود أصول باهظة الثمن في المدى وانخفاض كلفة هوائيات الاستقبال نسبياً، تستطيع الدول المتقدمة تزويد الدول النامية بالطاقة مباشرة، مما يسمح لها بتجاوز البنية التحتية للوقود الأحفوري. هذا التحول من تقديم الدعم المالي إلى توفير الطاقة من شأنه أن يكسر الجمود في مؤتمرات المناخ، موفراً مساراً عملياً لانتقال الطاقة العادل عالمياً.
تستثمر الدول والشركات الخاصة اليوم بكثافة في بحوث الطاقة الشمسية الفضائية، ففي الولايات المتحدة، نجح معهد "كاليفورنيا للتكنولوجيا" (كالتك) في اختبار نموذج أولي، مظهراً للمرة الأولى نقل الطاقة لا سلكياً في الفضاء، فيما تعمل شركات عدة على تطوير تقنيات الطاقة الشمسية الفضائية بتمويل من الجيش الأميركي.
وستدعم الحكومة اليابانية إطلاق ألواح شمسية عملاقة تبلغ مساحتها كيلومترين مربعين إلى الفضاء لإنتاج كهرباء نظيفة باستخدام الطاقة الشمسية، ومن المتوقع أن تكون الأقمار الاصطناعية اليابانية قادرة على توليد الطاقة على مدى الساعة، بصرف النظر عن الأحوال الجوية، وأن تنتج طاقة تفوق ما تنتجه الألواح الشمسية الأرضية بخمسة إلى عشرة أضعاف، ومن المتوقع أيضاً أن ينتج كل قمر اصطناعي مليون كيلوواط من الكهرباء، أي ما يعادل إنتاج محطة طاقة نووية، كذلك يمكن للموجات الدقيقة المستخدمة في النظام اختراق السحب والأمطار لتوفير توصيل مثالي للطاقة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتخطط اليابان لاستخدام 13 جهاز استقبال موزعة على مساحة 600 متر مربع في مدينة سوا لالتقاط الموجات الدقيقة المنبعثة من الألواح الشمسية، وذلك لإثبات جدوى الفكرة، وفي حال نجاح المشروع، ستطلق اليابان أقماراً اصطناعية شمسية أكبر لنقل مزيد من الطاقة النظيفة إلى الأرض.
وفي الصين يعمل العلماء على تطوير نموذج أولي لقمر اصطناعي يعمل بالطاقة الشمسية في الفضاء يدعى "أوميغا 2.0"، ويستخدم الموجات الدقيقة لنقل الطاقة من مجموعة من الألواح الشمسية. ويقترح العلماء الصينيون تركيب هوائي بعرض كيلومتر واحد في المدار، إلى جانب 600 مجموعة فرعية من الألواح الشمسية يبلغ عرض كل منها 100 متر، وقد نجحت الاختبارات الأرضية حتى الآن في نقل ما يصل إلى 2081 واط تكفي لتشغيل غلاية كهربائية لمسافة 55 متراً باستخدام تقنية نقل الموجات الدقيقة.
وبرزت المملكة المتحدة أيضاً كلاعب رئيس في هذا المجال، إذ دعمت استثمارات الحكومة تطوير بنية "CASSIOPeiA" الرائدة عالمياً، كذلك أنشأت المملكة المتحدة مبادرة "طاقة الفضاء"، وهي تحالف قوي يضم أكثر من 90 منظمة من قطاعات الصناعة والأوساط الأكاديمية والحكومة.
ومن المقرر أن تتخذ مبادرة "سولاريس" التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية قراراً في وقت لاحق من هذا العام في شأن جدوى مواصلة البحث في مجال الطاقة الشمسية الفضائية.
وعلى صعيد الشركات العالمية، تعتبر جهود شركة "فيرتوس سوليس" الأميركية هي الأبرز، إذ تعتمد تقنيتها على تجميع 200 ألف قمر اصطناعي على شكل خلية نحل في مجموعات ضخمة تمتد على كيلومترات عدة، تتميز هذه المجموعات بمدارات مولنيا (مدارات بيضاوية إهليلجية عالية الميل) غير اعتيادية تدور حول الأرض على نطاق واسع، وهذا ما يمكنها من البقاء فترات طويلة فوق خطوط العرض العليا لبث الطاقة إلى نصف الكرة الشمالي، وتخطط الشركة الأميركية لإطلاق مهمتها التجريبية عام 2027.