بدأت تنتشر في مصر أخيراً ظاهرة حفلات الغناء الجماعي، حيث تتولى الفرقة الموسيقية العزف، بينما تكون مهمة الغناء على الجمهور الذي يتحول إلى كورال يؤدي بانسجام رغم كونهم بعيدين من مجال الاحتراف، وتبدو تلك الأمسيات حماسية للغاية وتجمع كثراً ممن لديهم الشغف بالموسيقى وبالأغنيات، والأهم أنهم من مختلف الأجيال
لا يحظى جمهور الغناء في الحفلات الحيّة إلا بدقائق قليلة يمنحها لهم المطرب بتوجيه الميكروفون نحوهم، ليشاركوه الغناء في أكثر المقاطع حماسة وشعبية، وحتى إن كان جميعهم يدندنون طوال الحفل، لكن لا أحد يسمع صوتهم لأن بطل الأمسية هو من تحتفي به أجهزة الصوت ومعه الفرقة الموسيقية، لتبقى أصوات الجماهير خارج التغطية. لكن خلال الأعوام الأخيرة وعلى ما يبدو، التقط بعض محبي الفنون رغبة المستمعين الجارفة في ألا يسكتوا وأن تجد حناجرهم مساحة تستوعب صداها، ولا سيما وهم يؤدون بتأثر أغنياتهم المفضلة، محاولين الإمساك بالطبقة الصوتية الصحيحة ومعتمدين على الذاكرة وعلى المحبة والشغف، على رغم أنهم غير محترفين بالمرة.
مبادرات الجمهور يغني بدأت على استحياء في العالم العربي، وقبل عامين تقريباً انطلقت في مصر وسط إقبال كبير، في إثبات أن محبي الغناء الملهوفين لتلك التجربة كثر، بينما المفاجأة الأكبر أن رواد تلك الحفلات غير التقليدية ينتمون إلى أجيال مختلفة وليس الأكبر عمراً فقط.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واللافت أنه بعد الحديث مع بعض رواد تلك الأمسيات ومنظميها كذلك، فإن عدد الحفلات لا يزال أقل كثيراً مما يطلبه الجمهور الذي يدفع من أجل أن يستمع إلى نفسه وليس كما جرت العادة إلى مغنٍّ يطربه، فالسلطنة تأتي هنا من المشاركة ومن استعادة ذكريات الأغنيات التي ترددها الألسنة غير المتدربة على المقامات، إنما تجمعهم هواية أداء الأغنيات بصوت عالٍ، لكن هذه المرة ليس في المطبخ أو الصالون، إنما في قاعة مزدوة بأجهزة احترافية، فتختفي العثرات والتلعثمات في زحام الأصوات التي تتآلف تلقائياً مع الموسيقى الآتية من الآلات.
تصف شيرين عبدالحكيم، الموظفة في إحدى شركات التأمين، الأمر بأنه إفراغ طاقة وفرصة للتعرف إلى شخصيات تشاركها الاهتمامات نفسها، لافتة إلى أنها أصبحت تذهب أخيراً مع والدتها المسنة، وأقنعت ابنتها العشرينية بأن تذهب معها في المرات المقبلة. وتضيف المرأة العاملة والأم لثلاثة أبناء "حينما شاهدت فيديو لإحدى حفلات الجمهور يغني للمرة الأولى على ’فيسبوك‘ أعجبتني الفكرة، لكنني لم أتوقع أبداً أن يكون تأثيرها إيجابياً فيّي لهذه الدرجة حينما حضرت الحفل بصورة مباشرة، فحتى من لا يحفظون الأغنيات يجدون أنفسهم تلقائياً يرددون ويحفظون وكأننا في مباراة حماسية، وعلى رغم أن والدتي تتحرك بصعوبة، لكنها وجدت في هذه الأمسيات متنفساً وملاذاً يغير مزاجها للأفضل، كذلك كوّنت صداقات جديدة مما حسن من نفسيتها في مثل هذا العمر، ووجدت كثيرات غيرها يجددن شغفهن وحبهن للأغاني القديمة".
الدقائق القليلة التي كانت تقتطعها بعض الفرق الموسيقية وتسلمها كاملة للحضور تحولت إلى حفلات كاملة، أو فقرات مطولة في أمسيات فنية، فقد اشتهر المايسترو نادر عباسي بعادة منحه بعض اللحظات للجمهور خلال قيادته الحفلات الموسيقية الكبيرة، ويتسابق الجالسون في ترديد الأغنيات التي يعزفها المايسترو البارز، كذلك قدّم المايسترو محمد عثمان وفرقته "أيامنا الحلوة" تلك اللفتة أكثر من مرة، بخاصة في دار الأوبرا المصرية، وهي اللفتة التي لاقت رواجاً كبيراً، إذ ابتهج الحضور وراحوا يعلنون ولاءهم للأغنيات الكلاسيكية بطريقتهم الخاصة.
ومن هنا أمسك عدد من الجهات الفنية في مصر بهذا المشهد، وحاول صياغته بطريقة احترافية ومتخصصة، ومن أبرزها "مؤسسة نوار للفنون والثقافة" التي تقدم كثيراً من الخدمات إلى محبي الفنون المختلفة، وبينها أمسيات غنائية متنوعة لكل منها عنوان وفكرة تنظم بصورة دورية، وعلى رأسها سهرات "الجمهور يغني" التي أعطت دندنة المستمعين حقها، وباتت لها ليالٍ مخصصة، وتقول مديرة المؤسسة الدكتورة إسراء صيام إن أمسيات "الجمهور يغني" بدأت نشاطها في "نوار" منذ عامين تقريباً، وهي تحدث بالتناوب مع حفلات أخرى ذات طبيعة مختلفة، لافتة إلى أنه بانتقالهم إلى مكان أكبر وسط العاصمة يعود تاريخه لأكثر من 100 عام، أصبحوا قادرين على استقبال أعداد أكثر بكثير بالنسبة إليهم، إذ يستوعب المسرح المخصص لتلك الفعالية أكثر من 200 فرد، بعدما كان المقر القديم يستوعب ربع هذا العدد تقريباً.
وتتابع إسراء صيام التي شاركت في تأسيس "نوار" مع الفنان محمد ربيع أن "الحفلات تكون كاملة العدد، فيغني الحضور مع الفرقة، والميزة أن كثيراً منهم شهدوا رحلة صعودنا منذ بدايتنا قبل خمسة أعوام، ولهذا نحن نستلهم الأفكار من حضورهم، لأن بعضاً منهم لديه خلفية موسيقية من الأساس، إضافة إلى الجمهور العادي بطبيعة الحال، ولهذا تتضمن الأمسيات أيضاً حفلات مخصصة لموسيقيين بعينهم وأخرى لما يطلبه المستمعون، وتتميز جميعها بالارتجال في بعض الأوقات والمشاركة في وضع برنامج العزف، والتفاعل كذلك، والاندماج الشديد، والحقيقة فإن سهرات ’الجمهور يغني‘ من أكثر الفعاليات التي تسعد الحضور، إذ لمسنا مدى تأثيرها فيهم بصورة مباشرة، وفوجئنا بأنهم يحفظون الأغنيات بمقاماتها الصحيحة تماماً ويؤدونها على نحو سليم، واللافت أن أكثر من ثلث الحضور في العشرينيات من عمرهم أو ’جيل زد‘ كما يقولون على رغم أننا نركز عادة على الأغنيات الكلاسيكية لسيد درويش وعبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم ووردة وغيرهم".
تراوح أسعار التذاكر في "مؤسسة نوار" ما بين 200 إلى 350 جنيهاً، وهو سعر يمكن تصنيفه على أنه زهيد وفي المتناول مقارنة بسوق الحفلات في مصر بصورة عامة، لكن على مسارح أخرى أكبر حجماً تقدم نوعية تلك الحفلات في القاهرة أو في محافظات أخرى، فإن أقل تذكرة يراوح سعرها ما بين 800 و1000 جنيه، وقد تصل إلى 5 آلاف جنيه أي ما يوازي تقريباً 100 دولار أميركي، ولهذا فإن سهرة مثل تلك بالنسبة إلى عائلة تُعد تحدياً، فحتى إذا اكتفت الأسرة الصغيرة بالتذاكر ذات الشريحة الأقل التي لا تضمن مكاناً متميزاً في القاعة، سيظل المبلغ عبئاً على العائلات ذات الدخل المحدود والمتوسط التي تبحث عن سهرة ترفيه غير تقليدية.
خديجة علي، الزوجة الشابة التي لا تزال تنتظر طفلها الأول، تشير إلى أنها ذهبت مع زوجها إلى حفلات عدة تعتمد على عزف الفرقة الموسيقية، بينما يتولى الجمهور الغناء والتصفيق، ويقوم بمهمة المطرب والكورال معاً وكانت سعيدة للغاية، لكنها كانت ترغب في أن تشارك مثل تلك الأجواء مع والدتها وأشقائها أيضاً إلا أنها ترددت بسبب الكلفة، لافتة إلى أنه يجري التعامل مع الحفلات بنفس أثمان تذاكر المطربين العاديين تقريباً، على رغم أن المجهود كله يكون على الجمهور ولا يتحمل المكان عبء دفع أجر مطرب شهير، ولهذا تبدي استغرابها من ارتفاع سعر التذكرة غير الملائم من وجهة نظرها.
وفي بعض الأوقات، تكون فقرة "الجمهور يغني" التي تمتد إلى ساعة ونصف أو ساعتين مجرد جزء من برنامج موسيقي متنوع يتضمن استعراضات وأيضاً سهرة مع مطرب معروف، ولهذا فإنه يكون من المنطقي ارتفاع سعر التذكرة بعض الشيء، لكن إذا كانت فقرة وحيدة فإن الأمر بالنسبة إلى الجمهور المستهدف يكون مرتفعاً بصورة غير مقنعة.
وعادة يجري الإعلان عن برنامج الحفلات التفاعلية مع الجمهور قبلها بوقت كافٍ كما ينشر برنامج الحفل كاملاً، لكن الأمر لا يمنع أيضاً عزف بعض الأعمال بناءً على طلبات الحضور اللحظية، وتحرص بعض المسارح على عرض كلمات الأغنية على الشاشات بخط كبير ليتمكن جميع الحضور من رؤيتها وترديدها، ويتنوع برنامج الحفل بين القديم وأغنيات جيل الوسط ونجوم الطرب المعاصرين أيضاً من مختلف الدول العربية لتلبية جميع الأذواق.
وإذ تشير مديرة "نوار" إسراء صيام إلى ما تسميه "العدوى الطيبة" من واقع تجربتها في المركز، تقول إن الجماهير المتذوقة تصبح ثقافتها الموسيقية أكثر عمقاً تدريجاً، وتصبح لديهم خبرات ومعلومات، مضيفة أن "الجمهور يتعلم من بعضه بعضاً والأجيال تتبادل الخبرات، حتى إننا يمكن أن نعزف مقطوعات تعود لعشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي ونجد تجاوباً مدهشاً، ويظهر أداء الجمهور وكأنهم قاموا بعمل بروفات مسبقة، والحقيقة أن مبادرتنا تشهد تجاوباً متزايداً، وفي كثير من الأوقات نستقبل ضيوفاً بصورة غير مخطط لها من كبار مشاهير الموسيقى، وأبناء الملحنين العظام الذين يشيدون بالتجربة التي نحاول حالياً نقلها إلى محافظات عدة".
على الجانب الآخر، تلقى حفلات "الجمهور يغني" رواجاً عربياً، ومن أوائل الموسيقيين الذين انتبهوا إليها كان الموسيقار المغربي أمين بودشار الذي أطلقها في أنحاء المغرب قبل نحو أربعة أعوام، إذ يمتلك بودشار موهبة خاصة في التواصل مع حضور الأمسيات المبهرة، فمرة يوجههم ومرة هم يلهمونه، وتبدو الحفلات التي تأخذ فيها أغنيات عبدالحليم حافظ دور البطولة في أوقات كثيرة كسيمفونية يشترك فيها العازفون والمستمعون، بينما تجربة فرقة "كورال سيدي سامي" التونسية تعتبر قريبة من الأجواء، وإن كانت لا تنتمي بصورة مباشرة إلى حفلات غناء الجماهير، إنما يتفاعل الحضور تلقائياً ويشاركون الكورال الذي يتألف من أجيال مختلفة، فبينهم أطفال صغار ومراهقون وشباب ومن هم أكبر، وتصنع الفرقة حالاً مختلفة للغاية وتحتفي بفكرة الغناء الجماعي، فتحصد تجربتها اهتماماً كبيراً أخيراً.