بين حماية المجتمع والوصاية عليه.. حدود السلطة والتنافس على الوعي

لعل العلاقة بين الدولة والمجتمع تمثل على الدوام إشكالاً فلسفياً وسياسياً معقداً، يتعلق بالخط الفاصل بين الحماية المشروعة، حيث تحمي السلطة المجتمع داخلياً وخارجياً، والوصاية المصادرة للحريات، وهنا يبدأ التنافس بين السلطة والقوى المجتمعية حول شكل الوصاية ونتائجها، وقد تصل حد الصدام بين السلطة والمجتمع ممثلاً بقواه سواء السياسية (الاحزاب، منظمات المجتمع المدني) أو المدارس الثقافية والدينية.

فبينما يُفترض بالدولة أن تكون الضامن للأمن والاستقرار والتماسك الاجتماعي، ينزلق هذا الدور في كثير من الأحيان نحو فرض وصاية ثقافية وفكرية تفرض نمطاً أحادياً للتفكير وهنا تقع السلطة في فخ الصدام مع المجتمع. يكمن التحدي الأساسي في كيفية التوفيق بين حق المجتمع في الحماية، وحق الأفراد في الحرية، وفي فهم كيفية اختلاف هذه الوصاية باختلاف طبيعة النظام السياسي.

وذلك فضلاً عن خطر القوى الموازية التي تسعى لاختطاف دور الوصي من المجتمع، وهي غالباً قوى منافسة للحكومة وربما تمارس دوراً وصائياً فيما لو وصلت للسلطة لكنها تستغل ثغرات دور السلطة في حماية المجتمع بطريقة وصائية لممارسة نقدها لها وهجومها عليها.

​لا تعني الحريةُ الفوضى فيما لو مورست ضمن ضوابط الحرية المجتمعية ووازنت بين حرية الفرد وحرية المجتمع، كما لا تعني الحمايةُ الاستبدادَ فيما لو كانت ضمن نطاق القانون. التوفيق بين دور الدولة الحامي وحرية المجتمع يكمن في تطبيق ما يُعرف في الفلسفة السياسية بمبدأ منع الضرر.

وبالتالي، لابد من ​التدخل التنظيمي أو (الحماية) والذي يكون مشروعاً عندما يهدف إلى حماية الفضاء العام من أضرار مادية أو مخاطر تمس السلامة العامة؛ مثل حظر خطاب التحريض على العنف، وتجريم خطاب الكراهية، وتوفير الحماية القانونية للأطفال والقصَّر. في هذه الحالة، تتدخل الدولة لحماية الشروط التي تجعل الحرية ممكنة للجميع وبالتالي يصبح الدور تكاملياً بين السلطة وقوى الشعب المنظمة مجتمعياً كالجمعيات الاجتماعية والدينية والأحزاب والقوى السياسية والمجتمع المدني.

بالمقابل فإن ​التدخل الوصائي (التعسف) يبدأ عندما تتجاوز الدولة حماية الأفراد من الضرر إلى التدخل في قناعاتهم، فتحدد لهم ما يجب أن يعتقدوه، أو يقرؤوه، أو يبتكروه. تتحول الدولة هنا من حارس للقانون إلى قيّم على المجتمع بشكل تعسفي بحيث تفرض عليه رؤيتها دون الأخذ بالاعتبار قناعات جزء أو أجزاء منه، وهو ما يسلب المجتمع قدرته على النمو والتطور الطبيعي عبر التدافع الفكري الحر.

ولعل أحد أكثر أشكال الوصاية تأثيراً هو ​الوصاية الثقافية فهي الخيط الرفيع بين الدولة المستبدة مقابل الدولة الديمقراطية، حيث ​يتحدد شكل الوصاية ومداها بناءً على الفلسفة التي يقوم عليها النظام السياسي.

​تنظر الدولة الاستبدادية إلى المجتمع ككتلة “قاصرة” غير قادرة على إدارة شؤونها الفكرية أو الأخلاقية. تُسخِّر هذه الدولة مؤسسات التعليم والإعلام والأجهزة الأمنية لفرض عقيدة أو أيديولوجيا واحدة، وتعتبر أي تنوع فكري أو نقد ثقافي بمثابة تهديد لوجودها. الوصاية هنا ليست أداة للحماية، بل هي وسيلة للهيمنة، وتدجين الوعي العام، وإعادة إنتاج شرعية السلطة الحاكمة.

بينما ​تستند الدولة الديمقراطية إلى مفهوم السيادة الشعبية، حيث المواطن بالغ وعاقل وصاحب حق في تقرير مصيره الفكري. لا تتدخل الدولة في تشكيل الثقافة أو توجيه الفن والفكر، بل تقف موقف المُيسّر المحايد. يقتصر دورها على صيانة التعددية، وتطبيق سيادة القانون، وتوفير البيئة الآمنة التي تتفاعل فيها كافة الأفكار بحرية.

الحماية في هذا النموذج توجّه ضد من يحاول مصادرة حريات الآخرين، وليس ضد الأفكار في حد ذاتها.

في كثير من الأحيان خاصة في الدول الناشئة يحصل نوع من ​الصراع على الوصاية ومحاولة مصادرة دور الدولة من قبل القوى الاجتماعية، إذ ​لا تقتصر الوصاية الثقافية على أجهزة الدولة فقط؛ بل كثيراً ما تظهر قوى موازية غير حكومية تسعى لمصادرة هذا الدور من الدولة وفرض وصايتها الخاصة على المجتمع.

تبرز هذه القوى في أشكال متعددة: ​الجماعات المؤدلجة بكل أشكالها الدينية والسياسية، حيث تحاول فرض معاييرها الفكرية والدينية والثقافية على الفضاء العام عبر الترهيب المعنوي أو المادي، وتنصيب نفسها حارساً وحيداً على الأخلاق أو الهوية.

وتستخدم ​الضغط الاجتماعي والسلطة المجتمعية التقليدية سلطة العائلة أو العشيرة أو المدينة وممارسة سلطة القمع الثقافي عبر الأعراف والتقاليد، وتهميش أي فكر تجديدي أو نقد اجتماعي.

مؤخراً ظهرت سلطة جديدة تتمثل في خوارزميات المنصات الرقمية التي تحجب أفكاراً وتُبرز أخرى وفق أجندات تجارية أو سياسية غير معلنة. ​تكمن خطورة هذه القوى في أنها ممارِسة لوصاية غير محكومة بقانون أو عقد اجتماعي أو مسافة. وهنا يبرز الدور الحيوي للدولة الحديثة العادلة، فواجبها لا يقتصر على الامتناع عن ممارسة الوصاية بنفسها، بل يمتد إلى منع أي قوة اجتماعية أو سياسية من مصادرة حريات الأفراد أو فرض وصايتها الثقافية عليهم.

​إن الدولة الرشيدة هي التي تدرك أن تماسك المجتمع لا يتحقق بفرض النمطية الفكرية، بل بحماية التعددية تحت مظلة القانون. إن الوصاية الثقافية الاستبدادية تضعف المجتمع وتجعله هشاً أمام الأزمات، بينما الحماية الحقيقية هي التي تمنح الأفراد الأدوات والمناخ الحر للتفكير النقدي، مع الوقوف بحزم ضد أي جهة سواء كانت سلطة أو جماعة ضاغطة تحاول احتكار الوعي ومصادرة حق الإنسان في المعرفة والحرية.

أعلن في شمرا