دمشق-سانا
في ظل احتياجات سوريا المتزايدة لإعادة الإعمار، تبرز صناعة الإسمنت كأحد القطاعات الحيوية التي يتوقف عليها تسريع وتيرة البناء، وبين تحديات الإنتاج وارتفاع تكاليف الطاقة، ناقش خبراء ومختصون سبل النهوض بالصناعة وتطويرها، خلال مؤتمر ومعرض “صناعة الإسمنت والمجبول البيتوني في سوريا 2026” بدمشق.
أكدت المهندسة المدنية فاديا ششمان في تصريح لـ سانا، أن صناعة الإسمنت في سوريا تمر بمرحلة مفصلية، وسط التحديات التي تواجه المعامل المحلية، والحاجة إلى استثمارات جديدة، تسهم في إعادة تأهيل خطوط الإنتاج المتوقفة، وإنشاء خطوط حديثة قادرة على تلبية احتياجات السوق.
وأوضحت ششمان أن تحديات حوامل الطاقة، سواء المتعلقة بالوقود أو الكهرباء، تشكل إحدى أبرز العقبات أمام عمليات الإنتاج، بما فيها الطحن والنقل والتشغيل، الأمر الذي ساهم في اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي وحاجة السوق، واللجوء إلى استيراد الإسمنت الجاهز والكلينكر” المادة الأولية للإسمنت قبل الطحن”.
وبحسب تقديرات ششمان، تحتاج سوريا إلى نحو ثمانية ملايين طن من الإسمنت سنوياً، في حين يتراوح الإنتاج المحلي بين ثلاثة وأربعة ملايين طن تقريباً، ما يبرز أهمية تسريع تعافي الصناعة، بالتوازي مع إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وأنظمة التحكم الإلكتروني، لتحسين كفاءة التشغيل والصيانة ورفع الإنتاجية.
على صعيد واقع المواد الأولية اللازمة لصناعة الإسمنت، أكد الجيولوجي عمر خارطة أن سوريا تمتلك موارد جيولوجية متنوعة، تتوزع في عدد كبير من المحافظات، من السويداء ودمشق وصولاً إلى حلب ومناطق أخرى، وتشمل الصخور الكلسية وغيرها من الخامات المستخدمة في هذه الصناعة.
وأوضح خارطة أن توفر المواد الأولية بكميات جيدة ومواصفات مناسبة، يشكل نقطة قوة يمكن البناء عليها لتوسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مع دخول شركات جديدة إلى السوق، وسعيها إلى الحصول على التراخيص وتحديد المواقع وتقييم الاحتياطيات الجيولوجية اللازمة لإقامة مشاريعها.
وأشار خارطة إلى أهمية المؤتمرات والمعارض المتخصصة في جمع الشركات والمصنعين وموردي التكنولوجيا، وتبادل الخبرات حول أحدث الحلول الصناعية.
وشدد على ضرورة الاستفادة من الشركات العالمية، ولا سيما في مجالات الأتمتة والتحكم الإلكتروني وربط خطوط الإنتاج، سواء عند إنشاء معامل جديدة أو تحديث المنشآت القائمة.
وبين خارطة أن نقل التكنولوجيا الحديثة وتطوير الكوادر المحلية، يمكن أن يسهما في رفع الطاقة الإنتاجية، وتحسين عمليات الصيانة والتشغيل، وتعزيز قدرة صناعة الإسمنت السورية على المنافسة، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة.
أكد الخبير في الخرسانة والإسمنت عبد الرحمن العمري، ضرورة ردم الفجوة التقنية بين الصناعة السورية والتطورات العالمية، لافتاً إلى أن التحدي لا يقتصر على زيادة كميات الإنتاج، بل يشمل أيضاً تحسين جودة الإسمنت والالتزام بالمواصفات القياسية.
وأوضح العمري أن إعادة الإعمار تتطلب إنتاج كميات كبيرة من الإسمنت بمستويات جودة موثوقة، مشيراً إلى أهمية تطوير المواصفات السورية وتحديثها، بما يتوافق مع المعايير العالمية، الأمر الذي يعزز فرص التصدير ويفتح المجال أمام المنتج السوري لدخول أسواق جديدة.
ودعا العمري إلى الاستفادة من الخبرات السورية الموجودة في الخارج، ونقل المعرفة والتقنيات الحديثة إلى المصانع المحلية، مع التركيز على تطوير صناعة الإسمنت الأخضر، التي تمثل اتجاهاً متنامياً في الصناعة العالمية، لما توفره من فرص لخفض الانبعاثات والأثر البيئي.
ولفت العمري إلى أن إنتاج الكلينكر يتطلب درجات حرارة مرتفعة واستهلاكاً كبيراً للطاقة، ما يجعل تطوير الأفران وتقنيات الإنتاج الأقل استهلاكاً للطاقة، ضرورة أساسية.
وأكد أن سوريا تمتلك موارد يمكن الاستفادة منها في إنتاج أنواع أكثر استدامة من الإسمنت، بما فيها البوزولان، داعياً الشركات المهتمة إلى الاستثمار في هذا المجال، والمساهمة في إنشاء مصانع حديثة تعتمد معايير إنتاج متقدمة.
وكانت فعاليات مؤتمر ومعرض “صناعة الإسمنت والمجبول البيتوني في سوريا 2026″، الذي تنظمه مجموعة “سيم تك”، بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والصناعة، انطلقت يوم أمس الخميس، على أرض مدينة المعارض بدمشق، بمشاركة نحو 50 شركة محلية وإقليمية ودولية من تسع دول تعمل في القطاعات التجارية والصناعية والخدمية المرتبطة بصناعة الإسمنت والمجبول البيتوني.