الذكاء الاصطناعي قد يفيد كأداة إسعافية سريعة تمنح نصائح عملية وتساعد على إعادة تأطير المشاعر والأفكار، لكنه يظل عاجزاً عن تقديم الفهم الإنساني العميق والتفاعل العلاجي الحقيقي الذي يوفره المعالج النفسي. وتكشف التجربة أن فائدته الأكبر تكمن في الدعم المؤقت وقت الأزمات، لا في أن يكون بديلاً من العلاج النفسي، لأن سهولة اللجوء إليه قد تتحول أيضاً إلى علاقة زائفة أو غرفة صدى تعزز الوهم بدل معالجته.

بصفتي معالجة نفسية، لاحظت بحذر الارتفاع الأخير في عدد الأشخاص الذين يستخدمون روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي لأغراض العلاج. أعي تماماً أهمية حصول المعالجين النفسيين على تدريب جيد يضمن قدرتهم على مساعدة عملائهم من دون إلحاق أي ضرر بهم، ولم أستطع أن أرى كيف يمكن أن يكون التحدث إلى روبوت دردشة بدلاً من معالج نفسي مدرب أمراً مفيداً. علاوة على ذلك، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي لم يكن أبداً أمراً يجذبني شخصياً، لكن من الواضح أنني أنتمي إلى الأقلية.

تظهر النتائج الحديثة الصادرة عن منظمة الصحة العقلية في المملكة المتحدة (Mental Health UK) أن واحداً من كل ثلاثة بالغين في المملكة المتحدة يلجأ إلى روبوتات الدردشة للحصول على دعم في مجال الصحة العقلية أو العافية النفسية، وترتفع هذه النسبة إلى 64 في المئة في أوساط الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 سنة، في حين تقدر شركة "أوبن إيه آي" ، مطورة "تشات جي بي تي"، أن نحو 1.2 مليون من مستخدميها كل أسبوع تراودهم أفكار انتحارية. وهذه نسبة صغيرة من قاعدة مستخدميها، أقل من 0.15 في المئة، لكنها تكشف عن مدى عدد الأشخاص الذين ينفتحون أمام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في شأن صحتهم النفسية.

بدأ هذا الأمر يظهر في جلساتي مع العملاء، وكذلك مع الأصدقاء. فقد أخبرتني نساء ذكيات في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر أنهن بدأن في استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض علاجية، سواء طلباً للنصيحة في شأن العلاقات أو للتعامل مع التوتر، وهن يجدنه مفيداً بالفعل.

ومع تزايد عدد الأشخاص من حولي الذين أشادوا بفوائد استخدام الذكاء الاصطناعي في العلاج، بدأت أتساءل إن كنت محقة في الحكم على الذكاء الاصطناعي بقسوة. لذا قررت أن أختبره، هل يمكن لروبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي أن تساعدني في عافيتي النفسية؟ قضيت شهراً كاملاً وأنا أستخدم "تشات جي بي تي" كمعالج نفسي لأعرف ذلك.

لم تسر الأمور جيداً في اليوم الأول، لجأت إلى "تشات جي بي تي" طلباً للدعم لأنني كنت أشعر بالتعب والاستنزاف العاطفي. كان والداي يزورانني من أستراليا، مما يعني أن الوقت المتاح لي لقضائه مع الأصدقاء والأحباء الذين ألجأ إليهم عادة طلباً للدعم والنصيحة لم يعد كما كان، أو بلغة المعالجين النفسيين، ازدادت درجة التعقيد العلائقي في حياتي.

لذا شرحت الموقف لـ "تشات جي بي تي"، وقلت إنني أشعر بالاستنزاف العاطفي، وسألته: ماذا علي أن أفعل؟ فأجابني: "يؤسفني حقاً أنك تشعرين بهذه الصورة، قد يكون الشعور بالإنهاك العاطفي مرهقاً"، ثم أتبع ذلك برمز قلب أزرق.

نفرني ذلك فوراً، كان يخاطبني كما لو كان شخصاً، مع أنه آلة. وبدا ذلك زائفاً بالنسبة إلي، لكنه مضى بعد ذلك في تقديم بعض النصائح العملية عندما يشتد الإرهاق العلائقي. وكانت النصيحة الأولى أن أمنح نفسي الإذن بالتوقف وأخذ استراحة من العلاقات المشحونة عاطفياً، وكان ذلك مفيداً بقدر ما ذكرني بأن هذا الخيار متاح أمامي. ثم اقترح أن أتأمل الوضع من دون أن أحمل نفسي اللوم، وهي نصيحة لم تكن مفيدة بالقدر نفسه، لأنني لم أكن ألوم نفسي أصلاً.

أما النصيحة التي أفادتني حقاً فكانت أن أعيد بناء طاقتي العاطفية خارج إطار العلاقات، عبر اللجوء إلى الطبيعة والأنشطة الإبداعية والرياضة، بدلاً من الناس. لم يكن هذا مما خطر لي، وربما ما كنت لأفكر فيه أصلاً، فعلى رغم أنني أقوم بهذه الأشياء بطبيعتي، فإنني أفعلها بوعي وقصد أقل.

وهذا أمر لاحظته مراراً أثناء استخدام "تشات جي بي تي"، فهو جيد جداً في تحويل الأمور المجردة إلى أمور ملموسة، لقد ذكرني بإعادة توجيه انتباهي إلى الأشياء اليومية التي تساعدني فعلاً، وأعترف أنني حين اتبعت نصيحته وذهبت في نزهة على هامبستيد هيث مع كلبي، وخلعت حذائي لأمشي حافية على الأرض، شعرت فعلاً بمزيد من النشاط.

وخلال ذلك الشهر، كان من أكثر الأمور التي تحدثت عنها مع الذكاء الاصطناعي معاناتي من الشعور بالإنهاك العاطفي. وكان جزء كبير من ذلك نابعاً من إفساح هذا القدر الكبير من الحيز للآخرين في عملي كمعالجة نفسية، إلى جانب تزايد المطالب العلائقية على وقتي خلال ذلك الشهر، وبعض التحديات في العلاقات الشخصية. لذلك طلبت من "تشات جي بي تي" أن يساعدني في إيجاد التوازن بين علاقاتي المهنية والشخصية.

وكانت النصيحة الأساسية التي تلقيتها هي أن أتأمل مقدار ما أقدمه في العلاقات، لم أخرج بكثير من هذه النصيحة، بخاصة مقارنة بما حدث عندما طرحت الموضوع نفسه تماماً على مشرفي وزملائي. هناك، وجدت فوراً شعوراً بأنهم يفهمون ما أمر به، وهو ما لا يستطيع "تشات جي بي تي" أن يمنحك إياه، فمهما حاول تأكيد مشاعرك، فلن يستطيع أن يرتبط بها لأنه ليس إنساناً.

كما قدم لي زميل معالج نفسي مقارنة مفيدة، إذ طلب مني أن أتخيل أن شريكي يعمل في البناء ويشيد منازل طوال اليوم، ثم حين يعود للبيت أطلب منه أن يبني لي منزلاً، وقال: "نحن نقوم بالعمل نفسه في حياتنا الشخصية والمهنية، كيف تتعلمين أن تضعي ذلك جانباً؟"

2.jpg

"بمجرد حصولي على النصائح العملية المفيدة، بدأت أشعر ببعض الفراغ" (لوران وير)

والفرق هو أن "تشات جي بي تي" لم يطرح علي مثل هذه الأسئلة قط، بل قدم لي نصائح عملية مباشرة، لكنني كنت أشعر دائماً بأن قيمة ما يقدمه من معلومات لا تزيد على قيمة الأسئلة التي أطرحها عليه. وبصفتي معالجة نفسية، فأنا غالباً ما أعرف الأسئلة الصحيحة التي ينبغي طرحها، لكن هذا لن يكون حال الجميع، بخاصة الأصغر سناً أو الأكثر هشاشة.

وقررت أن أطرح على "تشات جي بي تي" السؤال الذي طرحه علي زميلي نفسه: كيف أكف عن التصرف كمعالجة نفسية في حياتي الخاصة؟ وكان جوابه أن أفصل عمداً بين دوري المهني وحياتي الشخصية، وأن أنتبه إلى اللحظات التي أدخل فيها تلقائياً في دور المعالجة. ولم يكن في ذلك جديد كبير بالنسبة إلي، لأنني أعرف هذا جيداً. وقبل أيام قليلة فقط، كنت أتناول طبق آساي مع صديقاتي خلال وجبة فطور متأخر، وحين سألتهن: "ما شعوركن حيال ذلك؟" أدركت فوراً أنني أتعامل مع الموقف بعقلية المعالجة النفسية، فضحكت من نفسي.

ساعدني "تشات جي بي تي" على تغيير الطريقة التي أفكر بها في الأمور وعلى إعادة تأطيرها، لكنه تركني أشعر بالفراغ أيضاً

والاقتراح الوحيد الذي راق لي هو أن أسأل نفسي: "هل أنا أشارك أم أيسر؟"، وعلى رغم أنني أحاول بالفعل أن أجري مثل هذه المراجعات الداخلية، فإن "تشات جي بي تي" حولها إلى صيغة عملية واضحة يمكنني الاحتفاظ بها في ذهني. وهذا مفيد، حتى لو لم أشعر بأية صلة عاطفية به.

ظل يحاول بناء علاقة معي، لكن كان علي أن أتجاوز ذلك الجزء وأواصل تذكير نفسي بأنه آلة، لأنه لولا ذلك ربما بدأت أشعر بأنه صديق، وهذا ليس صحيحاً. وما إن حصلت على النصائح العملية المفيدة حتى بدأ الأمر يبدو فارغاً بعض الشيء، فقد كان يكرر الأشياء نفسها مراراً، لذلك توقفت تدريجاً عن استخدامه.

وقد حددت دراسة جديدة من جامعة براون أنماطاً متكررة من السلوك الإشكالي لدى روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تنطوي على أخطار أخلاقية خطرة، من سوء التعامل مع حالات الأزمات، إلى تقديم ردود تعزز معتقدات مؤذية لدى المستخدمين أو تجاه الآخرين، وصولاً إلى استخدام لغة توحي بالتعاطف من دون فهم حقيقي.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان هذا الجانب الأخير هو الأصعب بالنسبة إلي، لم أشعر بأن "تشات جي بي تي" يراني أو يسمعني، لأنني كنت أعرف في أعماقي أنه لا يوجد أحد هناك، لكن بالنسبة إلى أشخاص يطلقون أسماء على روبوتات الدردشة الخاصة بهم وينسون أنها آلات، فقد يصبح هذا إشكالياً. في العلاج النفسي الديناميكي، نؤمن بفكرة حيز نفسي - طاقي، أي حيز نفسي تحدث داخله العلاقات الإنسانية. أما مع "تشات جي بي تي"، فهو حيز يخص شخصاً واحداً، فلا توجد نفسان تتفاعلان مع بعضهما بعضاً على نحو غير كامل كما في بيئة العلاج التقليدية، بل نفس واحدة فقط تتفاعل مع الذكاء الاصطناعي.

وكانت هناك لحظة واحدة لجأت فيها إلى "تشات جي بي تي" عن طيب خاطر. فقد اندلع حريق في محطة غلاسكو المركزية، وعلق والداي في التأخيرات خلال عودتهما إلى لندن. كنت قلقة لأنهما في السبعينيات من العمر، لكن كان لدي يوم كامل من العمل مع العملاء، وكنت في حالة من الارتباك الطاغي. فذكرني "تشات جي بي تي" بأنهما شخصان بالغان، وأنه لا داعي لأن أنزلق إلى دوامة الرعاية - كل ما احتجته هو أن أتنفس، وأترك الأمر، وأواصل يومي.

ومن وجهة نظري، فهذا أفضل ما في روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي - فهي موجودة في جيبك، ومتاحة فوراً في الأزمات، ويمكنها أن تؤدي وظيفة إسعافية موقتة، إلى أن تتمكن من خوض محادثة حقيقية مع إنسان حول ما تمر به.

هذا أفضل ما في روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي - فهي موجودة في جيبك، ومتاحة فوراً كوسيلة موقتة إلى أن تتمكن من خوض محادثة حقيقية مع إنسان

أما بخلاف ذلك، فلا أعتقد أنها يمكن أن تكون بديلاً من العلاج النفسي، فهي لا تطرح عليك بالضرورة الأسئلة الصحيحة ما لم تمنحها الصياغات الصحيحة. ولن تتحداك على نحو ذي معنى حقاً، بل هي أشبه بغرفة صدى تمنحنا تعزيزاً إيجابياً. وقد يستفيد بعض الناس من ذلك، لكن بالنسبة إلى آخرين قد تغذي الوهم.

والأمر يتعلق أيضاً بكيفية استخدامك لها. فإذا تعاملت مع الذكاء الاصطناعي من منطلق أنه "سيصلحني أو يشفيني أو ينقذني"، فسيكون أقل فائدة مما لو تحملت المسؤولية عن نفسك وحياتك. أستطيع أن أرى فوائد استخدامه كأداة من حين إلى آخر، للحصول على نصائح عملية وتذكيرات، أو في أوقات الأزمات حين تحتاج إلى نصيحة أو إرشادات فورية، لكنه قد يصبح أيضاً إدمانياً وقهرياً على حساب تجاربنا الإنسانية الحقيقية.

لقد غيرت تجربتي موقفي من الذكاء الاصطناعي، أستطيع الآن أن أرى كيف يمكن أن يكون مفيداً للناس، فهو جيد جداً في بلورة الأفكار المعقدة وجعلها أكثر ملموسية. بل إنه ساعدني في تغيير الطريقة التي أفكر بها في الأمور وإعادة تأطيرها، لكنه تركني أيضاً أشعر بالفراغ، فأنا أحب أن أتأمل مع عقل آخر لا مع روبوت دردشة، كما أن ميل الذكاء الاصطناعي إلى أن يكون ذهنياً أكثر من اللازم ليس مفيداً لي تماماً، فأنا أفضل أن أسمع تجارب الآخرين، أو الأفضل من ذلك أن أخوض التجارب وأعيش الدروس بنفسي.

لذلك لن أستخدم روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي للعلاج مرة أخرى، على رغم أنني قد ألجأ إليها أحياناً إذا احتجت إلى نصيحة عملية في لحظة أزمة. سموني تقليدية إن شئتم، لكنني أفضل التحدث إلى إنسان.

لوران وير أخصائية في العلاج النفسي الديناميكي ومديرة "كَم هيلينغ".

كما روت ذلك لراديكا سانغاني

© The Independent

"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
"تشات جي بي تي" معالج نفسي؟ هذه هي النتيجة
أعلن في شمرا