المكتسبات الوهمية.. الصراع على استحقاقات ما بعد التحرير

لم يكن تحرير سوريا نهايةً للصراع، بل بداية لمرحلة أشد تعقيداً، هي معركة بناء سورية الجديدة. ففي أثناء الثورة كان الهدف واضحاً إلى حد بعيد، أما بعدها فتعددت التصورات لما ينبغي أن تكون عليه سوريا، وما يحق لكل فرد أو جماعة الحصول عليه، وظهرت توقعات تتجاوز الحقوق المشروعة إلى ما يمكن تسميته بـ “المكتسبات الوهمية”. وأعني بها اعتقاد بعض الأفراد والجماعات أن مشاركتهم في الثورة، أو معارضتهم للنظام البائد، أو ما تعرضوا له من ظلم، أو ما يمتلكونه من كفاءة، قد أنشأ لهم حقوقاً خاصة في مناصب الدولة وقراراتها.

وتظهر كذلك حين يتوهم بعض المسؤولين أن إسهامهم في التحرير أو قربهم من القيادة يمنحهم حصانةً من المساءلة أو مهلةً مفتوحة لتبرير ضعف الأداء. غير أن الدولة الجديدة لا تُبنى على توزيع الغنائم أو تسديد فواتير الماضي، بل على المواطنة والمأسسة والكفاءة والنزاهة. ولا يكفي تغيير الأشخاص والشعارات؛ بل يجب تغيير نهج العمل، واعتماد معايير أداء واضحة، والقطيعة مع الأساليب السابقة، حتى لا يُعاد إنتاج بيروقراطيات مغلقة تخدم شبكات الفساد القديمة. فما قدمه السوري لوطنه يمنحه شرف الإسهام، لا ملكية جزء من الدولة، ويحمله مسؤوليةً إضافية لا امتيازاً دائماً.

ورثت القيادة الجديدة بلداً مدمّر الاقتصاد، ضعيف المؤسسات، منهك البنية التحتية، مثقلاً بالفساد والفقر؛ لذلك لا يؤدي سقوط النظام تلقائياً إلى انخفاض الأسعار وتحسن الخدمات وإصلاح التعليم. لكن تعقيد التركة لا يمنح الحكومة إعفاءً من المساءلة. وبين مجتمع يتوقع نتائج سريعة، وحكومة تواجه واقعاً لا يُصلح سريعاً، تتشكل مساحة من الشك والغضب والاستغلال السياسي.

كشفت زيادة أسعار بعض المشتقات النفطية، بنسب تراوحت بين 25 بالمئة و40 بالمئة، جانباً من هذا التوتر. فقد بررت الحكومة القرار بارتفاع تكاليف الشراء والنقل والتأمين، وضعف الإنتاج المحلي، وتوقف مصفاة النفط مؤقتاً، والحاجة إلى الاستيراد. لكن الشارع المنهك قرأه عبئاً إضافياً، وانقسم السوريون بين من رآه اضطراراً، ومن عدّه دليلاً على ضعف الإدارة.

تكشف الحالة وهمين متقابلين: توقع أن يؤدي التحرير فوراً إلى تحسن المعيشة، كأن سقوط النظام ألغى عجز الدولة وقيود الاقتصاد؛ واعتقاد الحكومة أن ذكر الظروف الخارجية يكفي لتسويغ القرار. فالمواطن يسأل أيضاً عن البدائل، وعدالة توزيع الأعباء، وحماية ذوي الدخل المحدود، ولماذا تقترب الأسعار من المستويات العالمية قبل الأجور. الاعتراض حق، أما المكتسب الوهمي فهو توقع نتائج تتجاوز الموارد، أو مطالبة الناس بثقة مفتوحة بلا شفافية وخطة.

وفي صورة أخرى من صور الأزمة ظهرت في جلسة الاستماع لوزير التربية في مجلس الشعب، حين عرض أرقاماً عن أعداد الطلبة المتوقع وصولهم، والطلبة المتسربين، والمعلمين المفصولين. غير أن الأرقام لا تجيب وحدها عن الأسئلة: معالجة التسرب والأبنية والمناهج والموازنة ومراحل التنفيذ. ورأى متابعون أن الإجابات لم توضح بما يكفي كيفية الانتقال من وصف المشكلة إلى معالجتها.

تكشف هذه الحالة أن وهم شرعية المرحلة أو ثقل الميراث يعفيانه من الإجابة المحددة، ووهم البديل الجاهز لدى من يعتقد أن كشف ضعف الأداء يمنحه حق الحلول محل المسؤول. فالمساءلة لا تهدف إلى إحراج الوزير، بل إلى إنتاج خطة وموازنة وجدول زمني ومؤشرات أداء، ثم مراجعة ما تحقق. والجديد المطلوب ليس تبدل أسماء الوزراء، بل تحول الأسئلة إلى خطط، والخطط إلى التزامات قابلة للقياس.

وتتجلى الدولة مباشرةً في المؤسسات الخدمية والبلديات والمدارس والسجل العقاري والشرطة والمحاكم. ويلحظ المواطن تحسناً في الاستجابة للقضايا الأمنية، ما يمنح الحكومة قدراً من الثقة ويدفع بعض المواطنين إلى التريث في الحكم على أوجه القصور الأخرى. ومع ذلك، لا تزال شكاوى البيروقراطية وتأخر المعاملات والمحسوبيات والرشوة وسوء معاملة المراجعين حاضرة، وإن أصبح كشفها والمطالبة بمعالجتها أكثر وضوحاً.

وقد يفسر ضعف الموارد والكوادر جانباً من البطء، لكن هذه المبررات تضعف حين تتزامن مع مظاهر رفاهية لا تنسجم مع التقشف. فالمشكلة في الرسالة التي تصل إلى مواطن مطالب بتحمل الغلاء، بينما يبدو بعض المسؤولين داخل طبقة جديدة من الامتيازات. وقد يسقط النظام وتبقى ثقافته إذا استمرت شخصنة المؤسسات والمحسوبية وتقديم الثقة على الكفاءة.

تكشف هذه الظاهرة عن ثلاثة أنماط لا تتساوى في دوافعها ولا في خطرها. أولها بقايا شبكات النظام البائد التي فقدت مواقعها، لكنها تحتفظ بخبرة اختراق المؤسسات واستثمار الأزمات، وتراهن على الفشل لاستعادة نفوذها. ولا تواجه بالانتقام الجماعي، بل بالعدالة الانتقالية والتحقيق ومحاسبة المتورطين، مع التمييز بينهم وبين الموظفين العاديين.

وثانيها حالات محدودة بين أصحاب التاريخ المعارض، قد يُعامل فيها الماضي بوصفه استحقاقاً في السلطة، أو المنصب اعترافاً واجباً بالتضحيات. ولا ينتقص هذا من الدور الوطني للمعارضة أو ضرورة التعدد السياسي؛ وإنما يقتضي الفصل بين التقدير المعنوي للتاريخ النضالي والاستحقاق الوظيفي الذي تحدده حاجة المؤسسة والكفاءة والنزاهة.

وثالثها بعض أصحاب العلم والخبرة الذين يربطون إسهامهم بتولي منصب، مع صدق حرصهم على الدولة. فالمشكلة ليست في الطموح، بل في حصر العطاء في الموقع الوظيفي. وقد يكون أثر المتخصص خارج المنصب أوسع، لذلك ينبغي فتح مسارات للمشورة وتطوير السياسات وتقويم الأداء؛ فالمنصب أداة خدمة، لا الطريق الوحيد لنفع الوطن.

من حق السوري أن يطالب بالكرامة والعدالة والخدمات والشفافية، وينتقد السياسات، ويسأل المسؤول عن خطته وموازنته. وهذه حقوق مواطنة، لا منّة من السلطة ولا مكافأة على الثورة. وفي المقابل، لا تتحول المشاركة في الثورة، أو السبق في المعارضة، أو امتلاك الخبرة، أو القرب من القيادة إلى حصة في القرار؛ لأن الوظيفة العامة تحكمها حاجة المؤسسة ومعايير الكفاءة والنزاهة والأداء.

ويبدأ المكتسب الوهمي حين يتحول التاريخ إلى مطالبة بحصة، والتضحية إلى ملكية، والكفاءة إلى وصاية، والمنصب إلى امتياز. ولا تُعالج الظاهرة باستبدال شبكة ولاء بأخرى، بل بمعايير معلنة للتعيين والترقية، وفصل المواقع العامة عن المصالح الخاصة، ورقابة مستقلة، وقضاء فاعل، وموازنات شفافة، وحوكمة رشيدة للخدمات، وخطط ذات مؤشرات أداء.

لم يمنح التحرير أحداً حصةً في الدولة، لكنه أعاد إلى السوريين حقهم في أن تكون الدولة لهم جميعاً، وحق مساءلتها والمشاركة في بنائها. كما حمّل من يديرها مسؤولية الانتقال من شرعية التحرير إلى شرعية الكفاءة في الحكم، ومن الثقة بالأشخاص إلى قوة المؤسسات. وعندما يصبح المنصب تكليفاً، والكفاءة مسؤولية، والنقد طريقاً إلى التقويم، تبدأ سورية انتقالها الحقيقي من تحرير السلطة إلى تحرير الدولة من ثقافة الغنيمة والامتياز.

أعلن في شمرا