أصبحت الصين أخيراً أحد اللاعبين الرئيسين في سباق الفضاء الحديث وتعد الأمة الثالثة الأكثر طموحاً في الفضاء بعد روسيا وأميركا منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى الآن.
رسم برنامج الفضاء الصيني على مدى عقود صورة واضحة المعالم تقوم على عمودين رئيسين هما "الوطنية والسرية". وعلى رغم تشابهه كثيراً مع برنامج الفضاء الأميركي الذي انقسم بدوره إلى شقين هما القطاع الربحي ممثلاً بشركات الفضاء الخاصة العملاقة مثل "سبيس إكس" و"بلو أوريجن" والقطاع الحكومي العلمي ممثلاً في "ناسا".
ويتشابه برنامج الفضاء الصيني مع الفضاء التجاري الأميركي من ناحية الأهداف النفعية أكثر من تشابهه مع "ناسا" التي تحاول جاهدة أن تحافظ على مسارها العلمي. وعلى رغم أنه من الصعب فهم برنامج الفضاء الصيني كاملاً خلال ما يقارب قرناً من الزمن عبر طرح أسئلة عدة، مر هذا الفضاء الطموح منذ عام 1953 بمحطات حاسمة.
يمكن تقسيم البرنامج الصيني إلى ثلاث حقب رئيسة، أولاها هي انطلاقته التي قيل إنها دشنت بسبب تهديد نووي أميركي في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور. وهو اتهام ينفيه الفضاء الصيني الذي يؤرخ لنفسه منذ فترة زمنية قريبة من ذلك التاريخ ولكنها مرتبطة بحدث آخر وهو انطلاق المنافسة الفضائية بين الاتحاد السوفياتي وأميركا خلال خمسينيات القرن الماضي، ثم تأتي الحقبة الثانية وهي دخول هذا الفضاء عهده التأسيسي الأهم خلال حياة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ وانتهت هذه الحقبة عام 1976، لتبدأ الحقبة الثالثة مع دخوله فترة خمول طويلة امتدت حتى بداية عهده الذهبي بعد عام 2003.
صورة ضخمة للزعيم الصيني ماو تسي تونغ (رويترز)
ويقول علماء أميركيون إن عهد الفضاء الصيني الذهبي تحقق لأسباب جيوسياسية أيضاً، وأهمها استغلال بكين فترة انشغال الولايات المتحدة في حروب كثيرة امتدت فترة طويلة من الزمن، التي كانت تحديداً منذ عهد بوش الابن ثم باراك أوباما وحتى وقتنا الراهن ولغاية الولاية الأولى للرئيس دونالد ترمب خلال عام 2019.
حتى اللحظة الراهنة يواجه المجتمع العلمي الأميركي والعالمي "غموضاً" كبيراً في فهم كثير من الأحداث التي تدور في الفضاء الصيني لدرجة يمكن معها القول إن هذا البرنامج سري إلى حد ما، على رغم أن هناك مواقع صينية رسمية وعلمية كثيرة تدلي بأخباره باللغة الإنجليزية.
ولعل من أهم أسباب غموض الفضاء الصيني كونه بدأ وما زال كبرنامج جيوسياسي أكثر من كونه برنامجاً علمياً. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن هناك روايتين متناقضتين حول الفضاء الصيني واحدة منهما رسمية ومعتمدة لـ"الإدارة الوطنية الصينية للفضاء (سي أن أس أي)، والثانية مصدرها الإعلام الأميركي، الذي يؤرخ لهذا الفضاء عمليا منذ 2003 وهو التاريخ الذي دخلت فيه بكين نادي الفضاء العالمي رسمياً بعد إرسال أولى مهامها المأهولة بشرياً صوب القمر.
يعد نجاح "ناسا" في مهمة "أرتيميس 2" حدثاً لا يستهان به بالنسبة إلى الفضاء الصيني، لكن مراقبين أكدوا أنه في سباق النجوم تحديداً تخوض الصين بالتحالف مع روسيا صراعاً تجارياً أكثر من كونه علمياً، ولذلك تنظر بكين إلى "ناسا" بوصفها منافساً علمياً، لكنها في الوقت ذاته تبقي عيناً على الفضاء الخاص الأميركي من كثب، فهي تعتقد أن الفضاء الأميركي الخاص ممثلاً في إيلون ماسك وجيف بيزوس هما الخصم الحقيقي الذي يجب التفوق عليه، فـ"ناسا" منشغلة دائماً ببرامجها العلمية غير المجدية مالياً، بينما ماسك وبيزوس هما من يمتلكان المال للاستثمار التجاري في مشاريع التعدين المزمعة على الكواكب القريبة، والهيليوم 3 هو ما تبحث عنه الصين وروسيا في هذا السباق تحديداً وتريدان الوصول إليه قبل الجميع.
يقول موقع سباق الفضاء "space race" الأميركي عبر فيديو نشره أخيراً تناول فيه موقع الفضاء الصيني الحالي مع نبذة عن تاريخ هذا الفضاء، "إنه من المفاجئ معرفة أن الصين بدأت تطوير قدراتها الحديثة التي تخوض بها سباق الفضاء اليوم مع ’ناسا‘ تحديداً قبل عام 1995، إذ دخلت الصين المنافسة باكراً إلى جانب أميركا والاتحاد الروسي".
الإدارة الوطنية الصينية للفضاء بمثابة "ناسا" في الفضاء الأميركي لكنها أكثر فتوة وأصغر حجماً من "ناسا" (أ ف ب)
ويضيف الموقع "وبعد رؤية روسيا تضع قمرها الاصطناعي الأول عام 1957 قررت الصين دخول المنافسة في عهد الزعيم ماو، إذ كان أول قمر لها يحمل اسم ماو 1". ويكمل الموقع حديثه بلغة الإنجازات فيقول "خلال عام 1975 أطلقت الصين صاروخها لونغ مارش إلى الفضاء بنجاح، وبموت الزعيم ماو عام 1976 توقف نشاط بكين في الفضاء حتى عام 2011".
تحت عنوان "الصين تبني مشروعاً على سطح القمر وقد بدأ السباق بالفعل"، أطلقت مواقع علمية أميركية بعد "أرتيميس 2" تحديداً كثيراً من الأسئلة حول برامج الصين في الفضاء، إذ تؤكد هذه المواقع أن برنامج الفضاء الصيني "شهد نمواً سريعاً في القرن الـ21، فانتقل من أول رحلة فضائية مأهولة عام 2003 إلى بناء محطة فضائية خاصة به واستكشاف القمر والمريخ"، وفي هذا السياق "أنزلت الصين مركبات جوالة على سطح القمر، بما في ذلك أول مهمة إلى الجانب البعيد منه، وتواصل توسيع قدراتها بصواريخ جديدة وخطط استكشاف طويلة الأجل".
في عهد بوش الابن انشغلت أميركا بالحروب والنزاعات، فتقدمت الصين في سباق الفضاء عليها. وخلال عام 2013 هبطت مركبة الصين الأولى على القمر، ويؤكد موقع سباق الفضاء أن الرئيس باراك أوباما كان غير مهتم ببلوغ القمر مجدداً حتى إنه قال "لماذا نذهب هناك، لقد كنا هناك من قبل؟". وبهذا استمر النشاط الفضائي الصيني حتى وصل ترمب للرئاسة عام 2019 فأعاد الولايات المتحدة إلى السباق رسمياً وبقوة أكبر.
الإجابة المباشرة عن هذا السؤال لدى معظم المواقع العلمية الأميركية هي "الهيليوم 3"، إذ زعمت مواقع علمية أن الوصول إلى هذه المادة التي تعد نادرة الوجود على الأرض هو الهدف الرئيس، إضافة إلى الحصول على حصة كبيرة من خيرات الكواكب القريبة منا هو المحرك الرئيس للفضائيين الصيني والروسي، وأن ذلك هو ما تبحث عنه موسكو وبكين ضمن سباقهما إلى كوكب القمر تحديداً.
من المعلوم أن الفضاء الأميركي ينقسم إلى شقين وهما "ناسا" كممثل لبرنامج أميركا الحكومي العلمي، والفضاء الخاص الأميركي وهو قطاع ربحي تجاري. وفي هذا السياق يبدو التشابه واضحاً بين الفضاء الصيني التجاري والفضاء الأميركي الربحي ممثلاً بشركات مثل "سبيس إكس" و"بلو أوريجن". والمقصود من كشف هذا التشابه إيضاح كون الفضاء الصيني لا ينفرد باتهام أطماع وطموحات غزو النجوم للحصول على مقدراتها، فالفضاء الأميركي الخاص يعد أقوى حتى هذه اللحظة وأكثر طموحاً وطمعاً من الفضاء الصيني والروسي مجتمعين، ولذلك يعد الفضاء التجاري الأميركي هو الأقرب إلى الاستيلاء على مقدرات الفضاء العالمي من الصين.
الإدارة الوطنية الصينية للفضاء (سي أن أس أي) هي الوكالة الصينية الحكومية لدى بكين، وهي بمثابة "ناسا" في الفضاء الأميركي ولكنها أكثر فتوة وأصغر حجماً من "ناسا"، وهي المصدر الرسمي لأخبار الإطلاقات والأقمار الاصطناعية ومهام القمر والمريخ. ويقدم موقع هذه الإدارة على الإنترنت تحديثات مستمرة عن برنامج تشانغ القمري وعن برنامج تيانوين للكواكب والأقمار الاصطناعية والمهام المدارية ومعلومات عن التعاون الدولي بين الصين ووكالات الفضاء العالمية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن مجموع ما أطلقته الصين من أقمار اصطناعية إلى الفضاء أقل بكثير مما أطلقته "سبيس إكس" الأميركية وحدها، فيما تعد مهام إطلاق الأقمار الاصطناعية إلى مدارات أرضية قريبة بمثابة مهام روتينية لدى الفضاء الأميركي اليوم.
يمكن القول إن حقبة الزعيم الاشتراكي ماو الذي توفي عام 1976 هي الحقبة التأسيسية الأهم في عصر هذا الفضاء العريق، فماو أيقظ الصينيين من وهم النأي عن النفس في هذا السباق، ولذلك دخل الفضاء الصيني أطول مرحلة خمول في تاريخه بعد وفاة ماو مباشرة، لتستمر هذه الحال عقوداً بعد ذلك التاريخ، وفي هذا السياق رجح متخصصون أن الفضاء الصيني لو لم يعان فترات الخمول تلك لكان تفوق اليوم على برامج كثيرة في الفضاء الروسي والأميركي.
وفق ما نشر على موقع الإدارة الوطنية الصينية للفضاء فإن أسمى أهداف الفضاء الصيني اليوم هو إنشاء قاعدة قمرية مستقبلية، وربما يكون ذلك بالتعاون مع دول أخرى، كجزء من "مسعى أوسع لتأمين وجود دائم خارج كوكب الأرض".
وبذلك ومع وجود مهام ومركبات فضائية وتقنيات جديدة قيد التطوير لديها، وعلى رغم مرور الفضاء الصيني بفترات خمول طويلة أصبحت بكين أخيراً أحد اللاعبين الرئيسين في سباق الفضاء الحديث، ولذلك تعد الصين لدى كثيرين الأمة الثالثة في الفضاء بعد روسيا وأميركا منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.